الشيخ محمد رشيد رضا

399

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وانهم نقضوا ميثاق اللّه ولم يوفوا به ، وقد قال اللّه فيهم انهم استحفظوا ، ولم يقل انهم حفظوا ، ولكنه قال وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ اي كان سلفهم الصالحون رقباء على الكتاب وعلى من يريد العبث به ، كما فعل عبد اللّه بن سلام في مسألة الرجم ، أو شهداء على أنه هو شرع اللّه تعالى ، لا كما فعل خلفهم من كتمان بعض احكامه ، اتباعا للهوى ، أو خوفا من اشرافهم ان أقاموا عليهم حدوده ، وطمعا في برهم إذ حابوهم فيها . وأعظم من ذلك كتمانهم صفة خاتم المرسلين والبشارة به ، وروي عن ابن عباس ان المراد : وكانوا على حكم النبي الموافق لحكم التوراة في حد الزنا شهداء . ولعله أراد - إن صحت الرواية عنه - ان هذا مما يدخل في عموم صفات أحبار اليهود الصالحين . تعريضا بجمهور الخلف الصالحين . ولذلك شهد عبد اللّه بن سلام وهو من بقية خيارهم وكذا غيره بأن حكم التوراة رجم الزاني تصديقا وتأييدا لما قاله النبي ( ص ) ثم قال تعالى تعقيبا على ما قصه من سيرة سلف بني إسرائيل الصالح ، بعد بيان سوء سيرة الخلف الذين خلفوا بعدهم ، مخاطبا رؤساء اليهود الذين كانوا في زمن التنزيل ، لا يخافون اللّه في الكتمان والتبديل فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ اي إذا كان الامر كما ذكر - وهو ما لا تنكرونه كما تنكرون غيره مما قصه اللّه على رسوله من سيرة سلفكم - فلا تخشوا الناس فتكتموا ما عندكم من الكتاب خوفا من بعضهم ورجاء في بعض ، واخشوني وحدي ، وأوفوا بعهدي ، فان الأمر كله لي وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا اي لا تتركوا بيانها والعمل والافتاء والحكم بها في مقابلة منفعة دنيوية لا يمكن أن تكون الا قليلة بالنسبة إلى المنافع العاجلة والآجلة المترتبة على الاهتداء بآيات اللّه تعالى . وتقدم تفسير مثل هذه الجملة في سورة البقرة . أو المراد من النهي إقامة الحجة عليهم ، ويؤيده قوله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ أي وكل من رغب عن الحكم بما أنزل اللّه من أحكام الحق والعدل ، فلم يحكم بها لمخالفتها لهواه أو لمنفعته الدنيوية ، فأولئك هم الكافرون بهذه الآيات ، لأن الايمان الصحيح يستلزم