الشيخ محمد رشيد رضا
382
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أي فمن تاب من السراق ورجع عن السرقة وغيرها من المعاصي رجوع ندم وعزم على الاستقامة ، من بعد ظلمه لنفسه بامتهانها وسفهها ، وللناس بالاعتداء على أموالهم ، وأصلح نفسه وزكاها بالصدقة ، المضادة للسرقة ، وبغير ذلك من أعمال البر ، فان اللّه تعالى يقبل توبته ويرجع اليه بالرضاء والإثابة ، ويغفر له ويرحمه ، فان ذلك من مقتضى اسمه الغفور واسمه الرحيم . وهل يسقط الحد عن التائب ؟ قال الجمهور : لا يسقط عنه مطلقا . وقال بعض السلف : بل يسقط عنه . وإذا قيست السرقة على الحرابة والافساد فالقول بسقوط الحد ظاهر ، ان تاب قبل رفع أمره إلى الحاكم ، ولكن لا يسقط حق المسروق منه ، بل لا تصح التوبة الا بإعادة المال المسروق اليه بعينه ان بقي ، والا دفع قيمته ان قدر . ولا يظهر لنا وجه لما قاله بعض الفقهاء من عدم الجمع بين الحد وغرامة المال المسروق . فان الحد حق اللّه تعالى لمصلحة عباده عامة ، والمال حق من سرق منه خاصة . * * * أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ جعل اللّه تعالى هذه الآية ذيلا لهذا السياق ، بين فيه ما ينبغي ان يحضر القلوب بعد تلك العبر والاحكام ، فقال ما حاصل المراد منه : ألم تعلم أيها السامع لهذا الخطاب ان اللّه تعالى له ملك السماوات والأرض ، يدبر الامر فيهما بالحكمة والعدل ، والرحمة والفضل ، فكان من متعلقات اسمه العزيز الحكيم أن وضع هذا العقاب لكل من يسرق ما يعد به سارقا من ذكر أو أنثى ، كما وضع ذلك العقاب للمحاربين المفسدين ، ومن مقتضى اسمه الغفور الرحيم ان يغفر لمن تاب من هؤلاء وهؤلاء ويرحمه ، إذا صدق في التوبة وأصلح عمله ، فهو بمقتضى أسمائه الحسنى ، وصفاته العلى ، يعذب من يشاء تعذيبه من الجناة تربية له ، وتأمينا لعباده من شره ، ويرحم من يشاء من التائبين والمصلحين برحمته وفضله ، ترغيبا لعبادة في تزكية أنفسهم ، واصلاح ذات بينهم ، وهو على كل شيء من التعذيب والرحمة قدير ، لا يعجزه شيء في تدبير ملكه . يجوز ان يكون الخطاب لكل من يسمع القرآن أو يقرؤه . ويجوز ان يكون موجها إلى الرسول ( ص ) والاستفهام فيه للتقرير ، أي إنك تعلم هذا فتذكره