الشيخ محمد رشيد رضا

35

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بذلك من صالبيه » هذا وان مجامعهم الأولى قد حرمت قراءة الكتب التي تخالف الأناجيل الأربعة والرسائل التي اعتمدتها فصار أتباعهم يحرقون تلك الكتب ويتلفونها ، واننا نرى ما سلم بعض نسخه منها كإنجيل برنابا ينكر الصلب ، وما يدرينا أن تلك الكتب التي فقدت كانت تنكره أيضا . فنحن لا ثقة لنا باختيار المجامع لما اختارته فنجعله حجة ونعدّ ما عداه كالعدم . على أن عدم العلم بالمنكرين لا يقتضي عدم وجودهم ، وعدم وجودهم لا يقتضي أن يكون ما اتفقوا عليه بتقليد بعضهم لبعض ثابتا في نفسه ( الشبهة الثالثة ) يقولون إن الأناجيل ورسائل العهد الجديد قد أثبتت الصلب وهي كتب مقدسة معصومة من الخطأ فوجب اعتقاد ما أثبتته ونقول ( أولا ) لا دليل على عصمة هذه الكتب ولا على أن كاتبيها كانوا معصومين ، و ( ثانيا ) لا دليل على نسبتها إلى من نسبت إليهم لأنها غير متواترة كما تقدم ، و ( ثالثا ) انها معارضة بأمثالها كإنجيل برنابا وترجيحهم إياها على هذا الإنجيل لا يصلح مرجحا عندنا لأنهم اتبعوا في اعتمادها تلك المجامع التي لا ثقة لنا بأهلها ، ولا كانوا معصومين عندهم ولا عندنا ، و ( رابعا ) انها متعارضة في قصة الصلب وفي غيرها و ( خامسا ) انها معارضة بالقرآن العزيز وهو الكتاب الإلهي الذي ثبت نقله بالتواتر الصحيح دون غيره ، فقصارى تلك الكتب أن تفيد الظن بالقرائن كما قال تعالى « ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ » والقرآن قطعي فوجب تقديمه لأنه يفيد العلم القطعي ان بعض المسلمين يصدقون دعاة النصرانية ومجادليهم في زعمهم ان هذه الأناجيل محفوظة عندهم من عهد المسيح إلى الآن ، وانها مسلمة عند جميع فرقهم ومعروفة عند غيرهم ، فلم يكن يختلف فيها اثنان ، ولكن من طالع كتبهم التاريخية والدينية يعلم أن هذه الدعوى باطلة . وانما يصدقهم المسلمون الجاهلون لتوهم أن النصرانية نشأت كالاسلام في مهد القوة والعزة والمدنية والحضارة فأمكن حفظ كتبها كما أمكن حفظ القرآن . وشتان بين الأمتين في نشأتهما شتان . وإليك نزرا من البيان ، وان شئت المزيد من مثله فارجع إلى الكتب المؤلفة في هذا الشان