الشيخ محمد رشيد رضا

362

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اللّه لهذا الافساد درجات من العقاب لأن افسادهم متفاوت ، منه القتل ومنه السلب ومنه هتك الاعراض ، ومنه اهلاك الحرث والنسل - أي قطع الشجر وقلع الزرع وقتل المواشي والدواب - ومنهم من يجمع بين جريمتين أو أكثر من هذه المفاسد . فليس الإمام مخيرا في معاقبة من شاء منهم بما شاء منها ، بل عليه ان يعاقب كلا بقدر جرمه ودرجة إفساده ، ثم اختلفوا في تقدير هذه العقوبات بقدر الجرائم اختلافا كثيرا ، وجاؤوا فيه بفروع كثيرة ترجع إلى الرأي والاجتهاد في التقدير ومراعاة ما ورد من الحدود على بعض هذه الاعمال ، كقتل القاتل ، وقطع آخذ المال لأنه كالسارق ، والجمع بين القتل والصلب ، لمن جمع بين القتل والسلب ، والنفي لمن أخاف السبيل ولم يقتل ولا أخذ مالا . وقد روي هذا عن ابن عباس وبعض علماء التابعين . وأنت ترى أن الآية لا تدل عليه ولا تنفيه ، فهو اجتهاد حسن في كيفية العمل بها ، ولكنه غير كاف لأن للمفسدين في الأرض بالقوة أعمالا أخرى أشرنا إلى أمهاتها آنفا . فإذا قامت عصبة مسلحة من الأشقياء بخطف العذارى أو المحصنات لأجل الفجور بهن ، أو بخطف الأولاد لأجل بيعهم أو فديتهم ، فلا شك انها تعد من المحاربين المفسدين ، فما حكم اللّه فيهم ؟ ان الآية حددت لعقاب المفسدين بقوة السلاح والعصبية أربعة أنواع من العقوبة وتركت لأولي الأمر الاجتهاد في تقديرها بقدر جرائمهم ، فلا هي خيرت الامام بأن يحكم بما شاء منها على من شاء بحسب هواه ، ولا هي جعلت لكل مفسدة عقوبة معينة منها . والحكمة في عدم تعيين الآية وتفصيلها للفروع والجزئيات هي ان هذه المفاسد كثيرة وتختلف باختلاف الزمان والمكان ، وضررها يختلف كذلك . والفروع تكثر فيها حتى أن تفصيلها لا يمكن الا في صحف كثيرة . ومن خصائص القرآن أنه كتاب هداية روحية ، ليس لأحكام المعاملات الدنيوية منه الا الحظ القليل ، إذ وكل أكثرها إلى أولي الامر من المؤمنين ، وبين - بايجازه المعجز - الضروري منها بعبارة يؤخذ من كل آية منها ما يملأ عدة صحف ، كهذه الآية وآيات المواريث . والقاعدة في الاسلام أن مالا نص فيه بخصوصه يستنبط أو لو الأمر حكمه من النصوص والقواعد العامة في دفع المفاسد وحفظ المصالح . والعلماء