الشيخ محمد رشيد رضا
351
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لذلك كل من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه ، وجعل الرب لقايين علامة لكي لا يقتله كل من وجده ( ! ! ) فخرج قايين من لدن الرب وسكن في أرض نود شرقي عدن ! ! ) وفي الفصل التاسع منه أن نوحا قال لبنيه ( 6 سافك دم الانسان بالانسان يسفك دمه ، لأن اللّه على صورته عمل الانسان ) وفي الفصل الحادي والعشرين من سفر الخروج ان من قتل انسانا عمدا يقتل ، ومن بغي على صاحبه ليقتله بغدر « فمن عند مذبحي تأخذه للموت » ومن ضرب أباه أو أمه أو شتمهما أو سرق إنسانا وباعه أو وجد في يده يقتل . فأسباب القتل عندهم كثيرة ، ولم تكن هذه الشدة رادعة لهم عن القتل بغير حق حتى قتل الأنبياء ، فهل يكثر عليهم ما كانوا عزموا عليه من قتل النبي المصطفى غدرا ؟ لا ، لا . ولهذا قال تعالى فيهم : وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ أي لم تغن عنهم بينات الرسل ولا هذبت نفوسهم ، بل كان كثير منهم بعد ذلك الذي ذكر من التشديد عليهم في أمر القتل ومن مجيء الرسل بالبينات يسرفون في الأرض بالقتل وسائر ضروب البغي أكد إثبات وصف الاسراف لكثير منهم تأكيدا بعد تأكيد ، لأن تشديد الشريعة وتكرار بينات الرسل كانت تقتضي عدم ذلك أو ندوره . والحكم على الكثير دون جميع الأمة من دقة القرآن في الصدق وتحديد الحقائق . وهذا الرسوخ في الاسراف لا يمكن ان يعم افراد الأمة ، والناس يطلقون وصف الكثير على الجميع في الغالب . والاسراف مجاوزة الحد في العمل ، أي حد الحق والمصلحة ، ويعرف ذلك بالشرع في الأمور الشرعية ، وبالعقل والعرف في غير ذلك وفي القوم الذين ليس لهم شرع . وكل ما يتجاوز فيه الحد يفسد . والأصل في معنى الاسراف الافساد ، فهو من السرفة وهي ( بالضم ) الدودة التي تأكل الشجر والخشب . وإذا كان الاسراف في فعل الخير يجعله شرا ، كالنفقة الواجبة والمستحبة التي تذهب بالمال كله ، فتفسد على صاحبها أمر معاشه . فما بالك بالاسراف في الشر ، وهو المبالغة وتجاوز ما اعتاده الأشرار فيه ؟ واما قوله تعالى في سورة بني إسرائيل ( فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ) فهو نهي لولي المقتول أن يتجاوز حد القصاص إلى قتل غير القاتل ، أو تعذيب القاتل والتمثيل به .