الشيخ محمد رشيد رضا
345
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وإثم من اعتدى عليه بعدل اللّه تعالى في القصاص والجزاء - إلى تذكيره بعذاب النار ، وكونها مثوى الظالمين الفجار . فماذا كان من تأثيره هذه المواعظ ، في نفس ذلك الحاسد الظالم ؟ بين اللّه ذلك بقوله : * * * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فسروا طوعت بشجعت وهو مأثور عن ابن عباس ومجاهد ، وبوسعت وسهلت وزينت ، ونحو ذلك من الالفاظ التي رويت عن مفسري السلف وعلماء اللغة ، وكل منها يشير إلى حاصل المعنى في الجملة ، ولم أر أحدا شرح بلاغة هذه الكلمة في هذا الموضع ببعض ما أجد لها من التأثير في نفسي . وانها لبمكان من البلاغة يحيط بالقلب ويضغط عليه من كل جانب . ( ق ، والقرآن المجيد ) إنني أكتب الآن ، وقلبي يشغلني عن الكتابة بما أجد لها فيه من الأثر والانفعال . ان هذه الكلمة تدل على تدريج وتكرار في حمل الفطرة على طاعة الحسد الداعي إلى القتل ، كتذليل الفرس والبعير الصعب ، فهي تمثل لمن يفهمها ولد آدم الذي زين له حسده لأخيه قتله ، وهو بين إقدام وإحجام ، يفكر في كل كلمة من كلمات أخيه الحكيمة ، فيجد في كل منها صارفا له عن الجريمة ، يدعم ويؤيد ما في الفطرة من صوارف العقل والقرابة والهيبة ، فبكر الحسد من نفسه الأمّارة ، على كل صارف في نفسه اللوّامة ، فلا يزالان يتنازعان ويتجاذبان حتى يغلب الحسد كلا منها ويجذبه إلى الطاعة ، فإطاعة صوارف الفطرة وصوارف الموعظة ، لداعي الحسد هو التطويع الذي عناه اللّه تعالى ، فلما تم كل ذلك قتله . وهذا المعنى يدل عليه اللفظ ، ويؤيده ما يعرف من حال البشر في كل عصر ، بمقتضى ، فنحن نرى من أحوال الناس واختبار القضاة للجناة ، ان كل من تحدثه نفسه بقتل أخ له من أبيه القريب أو البعيد ( آدم ) يجد من نفسه صارفا أو عدة صوارف تنهاه عن ذلك ، فيتعارض المانع والمقتضى في نفسه زمنا طويلا أو قصيرا حتى تطوّع له نفسه القتل بترجيح المقتضي عنده على الموانع ، فعند ذلك يقتل ان قدر . فالتطويع لا بد فيه من التكرار كتذليل الحيوان الصعب ، وتعليم الصناعة أو العلم . وقد يكون التكرار لأجل إطاعة مانع أو صارف واحد ، وقد يكون لا طاعة عدة صوارف وموانع . ( تفسير القرآن ) « 44 » ( الجزء السادس )