الشيخ محمد رشيد رضا

328

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أيضا سورة بني إسرائيل . وملخصه انهم يفسدون في الأرض مرتين قبل الاسلام ، فيسلط عليهم كل مرة من يذلهم ويستولي على مدينتهم ومسجدهم ويتبروا ما استولوا عليه منهما تتبيرا ، وقد كان ذلك . ثم قال ( عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا ) قال المفسرون وقد عادوا وعاد انتقام العدل الإلهي منهم . فسلط اللّه عليهم الروم قبل المسيحية وبعدها ثم المسلمين ، ومزقوا في الأرض كل ممزق . وتدل بعض الآيات على أن الملك لا يعود إليهم ، ولولا ذلك لكانت آية ( عَسى رَبُّكُمْ ) أرجى الآيات لهم . لأنها تدل على أن الامر يدور من العلة وجودا وعدما ، وانهم ان عادوا إلى الايمان الصحيح والاصلاح يعود إليهم ما فقد منهم . ولا يتحقق هذا الا بالاسلام ، فان أسلموا واتحدوا ببني عمهم العرب يملكون كل هذه البلاد وغيرها ، ولكن الرجاء في هذا بعيد في هذا العصر ، لأن الاسرائيلين شديد والتقليد والجمود في جنسيتهم النسبية والدينية ، وهذا العصر عصر العصبية الجنسية للأقوام ، حتى أن كثيرا من شعوب المسلمين يحلون رابطتهم الدينية ، لأجل شد عروة الرابطة اللغوية ، وان لم تكن لهم لغات ذات آثار يحرص عليها ، بل منهم من يتكلفون تدوين لغاتهم وتأسيسها لأنها لم تكن لغات علم وكتاب . ثم إن أمر الدنيا غالب فيه على أمر الدين . واليهود يريدون ان يعيدوا ملكهم لهذه البلاد بتكوين وتأسيس جديد ، ويستعينون عليه بالمال وطرق العمران الحديثة فيا دارها بالخيف ان مزارها * قريب ، ولكن دون ذلك أهوال فان الشعوب النصرانية ودولها القوية تعارضهم في التغلب على بيت المقدس . والعرب أصحاب الأرض كلها لا يتركونها لهم غنيمة بادرة ، ولا تغني عنهم الوسائل الرسمية والمكايدة . وانما الذي يغني ويقني ، هو الاتفاق مع العرب على العمران ، فان البلاد تسع من السكان أضعاف من فيها الآن . ويؤيد التعليل الذي بيناه أخبرا هذا النهي الذي عطف على الأمر بدخول الأرض المقدسة وهو وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ على أحد الوجهين في تفسيره ، وهو لا ترجعوا عما جئتكم به من التوحيد والعدل والهدى ، إلى الوثنية أو الفساد في الأرض بالظلم والبغي واتباع الهوى ، فيكون هذا الرجوع إلى