الشيخ محمد رشيد رضا

326

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الأراضي كانت تحت سلطة سليمان . فكان التخم الشمالي حينئذ سورية ، والشرقي الفرات والبرية السورية ، والجنوبي برية التيه وأدوم ، والغربي البحر المتوسط . اه بنصه مع اختصار حذف به أكثر الشواهد . ولا حاجة لنا بغير الأخيرة منها وهي التي ذكرناها فقوله تعالى « كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ » يريد به موسى ما وعد اللّه به إبراهيم ، يعني كتب لهم الحق في سكنى تلك البلاد المقدسة بحسب ذلك الوعد ، أو في علمه . وليس معناه انها كلها تكون ملكا لهم دائما ، أو لا يزاحمهم فيها أحد . لان هذا مخالف للواقع ولن يخلف اللّه وعده . فاستنباط اليهود من ذلك الوعد انه لا بد أن يعود لهم الملك في البلاد المقدسة غير صحيح . ويحسن هنا أن نذكر نص التوراة العربية الموجودة الآن في هذا الوعد : جاء في سفر التكوين انه لما مر إبراهيم بأرض الكنعانيين ظهر له الرب ( 12 : 7 وقال لنسلك أعطي هذه الأرض ) وجاء فيه أيضا ما نصه ( 15 : 18 في ذلك اليوم قطع الرب مع ابرام ميثاقا قائلا : لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات ) وهذا الوعد ذكر في سفر التكوين قبل ذكر ولادة إسماعيل . وجاء فيه بعد ذكر ولادة إسماعيل له ووعد اللّه بتكثير نسله وبكونهم يسكنون أمام جميع اخوتهم ( 17 : 8 وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا وأكون إلههم ) فهذا وذاك يدلان على أن العرب أولى أولاد إبراهيم بأن يكونوا أول من تناولهم العهد والميثاق ، والوفاء الأبدي لا يتحقق الا به . والامر كذلك فقد أصبحت تلك البلاد كلها عربية محضة . وليس فيه بعد ذكر ولادة اسحق وعد لإبراهيم مثل هذا ببلاد ولا بأرض . ولكن فيه أنه يقيم معه عهدا أبديا لنسله ، وان هذا العهد لإسحاق دون إسماعيل . فما هذا العهد ؟ ان كان عهد النبوة فالواقع انها ليست أبدية في نسل اسحق لأنها انقطعت بالفعل منهم من زهاء ألفي سنة . وكان خاتم النبيين من ولد إسماعيل . وان كان عهد امتلاك الأرض المقدسة فهو لم يكن أبديا فيهم لأنها نزعت منهم قبل العرب ثم أخذها العرب وصارت لهم بالامتلاك السياسي ثم بالامتلاك الطبيعي ، إذ غلبوا على سائر العناصر التي كانت فيها وأدغموها في عنصرهم المبارك الذي وعد اللّه إبراهيم بأن