الشيخ محمد رشيد رضا

320

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ورهبانكم ، وحكمائكم وساستكم . جاء رسولنا محمد يبين لكم كل هذا ليقطع معذرتكم ويمنعكم يوم القيامة أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ يبشرنا بحسن عاقبة المؤمنين الصالحين المتقين ، وينذرنا ويخوفنا سوء عاقبة المفسدين الضالين المغرورين . فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ يبين لكم ان أمر النجاة والخلاص ، والسعادة الأبدية في دار القرار ، ليس منوطا بأمانيكم التي تتمنونها ، وأوهامكم التي تغترون بها ، بل هو منوط بالايمان والاعمال ، وان اللّه تعالى لا يحابي أحدا من الناس ، قال تعالى ( 4 : 122 لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ . مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً 4 : 123 وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * فلا يعجزه أن يريكم صدق نبيه بنصر دعوته واعلاء كلمته عليكم في الدنيا ، لتقيسوا على ذلك ان عقلتم ما يكون من الامر في الدار الأخرى . روى أبناء اسحق وجرير والمنذر وأبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : دعا رسول اللّه ( ص ) يهود إلى الاسلام فرغبهم فيه وحذرهم فأبوا عليه . فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب : يا معشر يهود اتقوا اللّه ، فو اللّه لتعلمون انه رسول اللّه ، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه ، وتصفونه لنا بصفته فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهوذا : انا ما قلنا لكم هذا وما انزل اللّه من كتاب من بعد موسى ولا ارسل بشيرا ولا نذيرا بعده . فانزل اللّه الآية . اي انزلها في هذا السياق متضمنة للرد عليهم ومن مباحث اللفظ في الآية أن الفترة من فتر الشيء إذا سكن أو زالت حدته . وقال الراغب : الفتور سكون بعد حدة ، ولين بعد شدة ، وضعف بعد قوة ، وذكر الآية . والمراد بها هنا انقطاع الوحي وظهور الرسل عدة قرون . وقوله « أَنْ تَقُولُوا » تقدم مثله ، ومنه « يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا » في آخر سورة النساء . وتقدم وجه اعرابه ، وان بعضهم يقدر له : كراهية أن تقولوا ، ومثله اتقاء أن تقولوا ، بل هذا أحسن وبعضهم يقدر النفي فيقول : لئلا تقولوا . والمعنى على كل وجه ما ذكرناه آنفا من منعهم من هذا الاحتجاج وقطع طريقه عليهم .