الشيخ محمد رشيد رضا
310
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
« 11 ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس ابيض والجالس عليه يدعى أمينا وصادقا وبالعدل يحكم ويحارب 12 وعيناه كلهيب من نار وعلى رأسه تيجان كثيرة وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفه الا هو 13 وهو متسربل بثوب مغموس بدم ويدعى اسمه كلمة اللّه 14 والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لا بسين بزا أبيض نقيا 15 ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم وهو سيرعاهم بعضا من حديد » فأنت ترى ان هذه الأوصاف لا تنطبق على المسيح وانما تنطبق على أخيه محمد عليهما الصلاة والسّلام ، فمن أسمائه الصادق والأمين ، وبالعدل كان يحكم ويحارب الخ ولم يكن للمسيح شيء من هذه الصفات ، لأنه لم يحكم ولم يحارب ولم يرع الأمم . ولفظ « كلمة اللّه » هنا لا يفيد معنى تلك العقيدة ولا يشير إليها لأن كل شيء وجد بكلمة اللّه وهي كلمة التكوين ( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) وأما الدليل على كون هذه العقيدة وثنية فهو يظهر لك جليا فيما كتبناه في تفسير قوله تعالى من هذا الجزء ( 4 : 169 يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ - إلى قوله - - وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ) وذلك ان زعمهم « إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » جزء من عقيدة التثليث المأخوذة عن قدماء المصريين والبراهمة والبوذيين وغيرهم من وثنيي الشرق والغرب . وقد أوردنا هنالك من شواهد كتب التاريخ وآثار الأولين ما علم به قطعا ان النصارى أخذوا هذه العقيدة عنهم . وسنعود إلى ذكرها عند تفسير قوله تعالى من هذه السورة « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ » - قال تعالى في تبكيت هؤلاء الناس ورد زعمهم : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي قل أيها الرسول لهؤلاء النصارى المتجرئين على مقام الألوهية بهذا الزعم الباطل : من يملك من أمر اللّه وارادته شيئا يدفع به الهلاك والاعدام عن المسيح وأمه وعن سائر أهل الأرض ان أراد عز وجل ان يهلكهم ويبيدهم ؟ والاستفهام للإنكار والتوبيخ والتجهيل ، أي إن المسيح وأمه من المخلوقات التي هي قابلة لطروء الهلاك والفناء عليها كسائر أهل الأرض ، فإذا أراد اللّه ان يهلكهما ويهلك أهل الأرض جميعا لا يوجد أحد يستطيع ان يرد ارادته ، لأنه هو المالك