الشيخ محمد رشيد رضا
308
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ان يرجعوها إلى التوحيد الصحيح الذي هو دين المسيح وسائر أنبياء بني إسرائيل ورسل اللّه أجمعين ، فهم لا يزالون يقولون بألوهية المسيح وبالتثليث ويعدون الموحد غير مسيحي ، كما يقول ذلك الفرقتان الكبيرتان الاخريان من فرق النصرانية في هذا العصر - وهم الكاثوليك والأرثوذكس - فجميع فرق نصارى هذا العصر تقول ان اللّه هو المسيح بن مريم ، وان المسيح بن مريم هو اللّه . تعالى اللّه عما يقولون علوا كبيرا . والظاهر أن النصارى القدماء لم يكونوا متفقين على هذه العقيدة كما قال مفسرونا قال ( الدكتور بوست ) في تاريخ الكتاب المقدس عند الكلام على لفظ الجلالة ما نصه : « طبيعة اللّه عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر : اللّه الآب ، واللّه الابن ، واللّه الروح القدس ، فإلى الآب ينتمي الخلق بواسطة الابن ، وإلى الابن الفدى ، وإلى الروح القدس التطهير . غير أن الثلاثة أقانيم تتقاسم جميع الاعمال على السواء . أما مسألة التثليث فغير واضحة في العهد القديم كما هي في العهد الجديد . وقد أشير إلى هذا في ( نك ص 1 ) حيث ذكر « الله » و « روح الله » الخ ( قابل مز 33 : ويو 16 : 10 و 3 ) والحكمة الإلهية المشخصة في ( أم ص 8 ) تقابل الكلمة في ( يو ص 1 ) وربما تشير إلى الأقنوم الثاني . وتطلق نعوت القدير على كل أقنوم من هذه الأقانيم الثلاثة على حدته » اه بحروفه والحق ان العهد القديم - أي كتب الأنبياء الذين كانوا قبل المسيح - ليس فيها شيء ظاهر ولا خفي في عقيدة التثليث لأنها عقيدة وثنية محضة . ومن أغرب التكلف تفسير الحكمة في أمثال سليمان بالكلمة بالمعنى الذي يريدونه وهو وهم لم يخطر في بال سليمان ، ولا المسيح عليهما السّلام ، وسترى انهم قالوا : ان استعمال الكلمة بهذه المعنى لم يرد الا في كلام يوحنا ! ! وقد كان جميع أنبياء اللّه تعالى موحدين ، أعداء للوثنية والوثنيين . وانما يصح ان يقال إن التوحيد ظاهر جلي في العهد الجديد أيضا ، والتثليث فيه هو الخفي . فان العقيدة التي يدعو إليها دعاة النصرانية ، والعبارات التي يذكرونها في ألوهية المسيح والتثليث لا تفهم كلها من