الشيخ محمد رشيد رضا
305
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المهتدين من أهل الكتاب في سورة الأعراف بعد ذكر بعثة النبي ( ص ) إليهم ( 17 : 151 فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وكقوله تعالى في سورة التغابن ( 64 : 8 فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا ) على أن هذا المعنى لا يتغير إذا قلنا إن النور هنا هو النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فإنه هو المظهر الأكمل للقرآن ببيانه له وتخلقه به كما قالت عائشة ( رض ) : كان خلقه القرآن . ولا نعدم لذلك شاهد من آياته فقد وصفه اللّه تعالى في سورة الأحزاب بقوله ( وَسِراجاً مُنِيراً ) وليرجع القارئ إلى تفسيرنا لآيتي النساء اللتين ذكرناهما آنفا فقد بينا في تفسيرهما معنى كون القرآن نورا مبينا بما ينفعه في فهم ماهنا . وقد ذكر اللّه هنا لهذا النور ثلاث فوائد ( الأولى ) انه يهدي به اللّه من اتبع رضوانه سبل السّلام ، أي ان من اتبع منهم ما يرضيه تعالى بالايمان بهذا النور يهديه - هداية دلالة تصحبها العناية والإعانة - الطرق التي يسلم بها في الدنيا والآخرة من كل ما يرديه ويشقيه ، فيقوم في الدنيا بحقوق اللّه تعالى وحقوق نفسه الروحية والجسدية وحقوق الناس . فيكون متمتعا بالطيبات مجتنبا للخبائث ، تقيا مخلصا ، صالحا مصلحا ، ويكون في الآخرة سعيدا منعما ، جامعا بين النعيم الحسي الجسدي ، والنعيم الروحي العقلي . وخلاصة هذه الفائدة انه يتبع دينا يجد فيه جميع الطرق الموصلة إلى ما تسلم به النفس من شقاء الدنيا والآخرة ، لأنه دين السّلام والاخلاص للّه ولعباده ، دين المساواة والعدل ، والاحسان والفضل ( الفائدة الثانية ) الاخراج من ظلمات الوثنية والخرافات والأوهام التي أفسد بها الرؤساء جميع الأديان واستعبدوا أهلها - إلى نور التوحيد الخالص الذي يحرر صاحبه من رق رؤساء الدين والدنيا ، فيكون بين الخلق حرّا كريما ، وبين يدي الخالق وحده عبدا خاضعا . وقوله « باذنه » فسروه بمشيئته وبتوفيقه . والاذن العلم . يقال أذن بالشيء إذا علم به ، وآذنته به أعلمته فأذن ، ويقال أذن بالتشديد وتأذن بمعنى أعلم غيره ، ويقال أذن له بالشيء إذا أباحه له . وأذن له أذنا استمع . ( تفسير القرآن ) « 39 » ( الجزء السادس )