الشيخ محمد رشيد رضا
302
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وثبت به انه كلام اللّه ووحيه ، إذ ليس هذا مما يعرف بالرأي حتى يقال إن النبي ( ص ) قد اهتدى اليه بعقله ونظره . كيف وقد خفي هذا عن أكثر علمائنا الاعلام عدة قرون لعدم اطلاعهم على تاريخ القوم . وأغرب من هذا ان بعض كبراء المصريين الذين ارتقوا بعلمهم واختبارهم إلى أرفع المناصب سألني مرة : كيف نقول نحن ( المسلمين ) ان للنصارى كتابا واحدا يسمى الإنجيل هو عبارة عما أوحاه اللّه إلى عيسى فدعا قومه إلى الايمان به ، مع أن النصارى أنفسهم لا يقولون هذا ولا يعرفونه وانما عندهم أربعة أناجيل هي عبارة عن قصة المسيح وسيرته ؟ فأجبته ان الإنجيل الذي ننسبه إلى المسيح ونقول إنه هو ما أوحاه اللّه اليه هو الذي يذكر في هذه الأناجيل عن لسان المسيح باللفظ المفرد الخ ما علم مما تقدم ونظير هذه العبارة وأمثالها في الدلالة على كون القرآن من عند اللّه تعالى قوله تعالى « فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ » فأنت ترى مصداق هذا القول بين فرقهم وبين دولهم لم ينقطع زمنا ما ( 7 ) أن أحد فلاسفة الهنود درس تاريخ الأديان كلها وبحث فيها بحث مستقل منصف ، وأطال البحث في النصرانية لما للدول المنسوبة إليها من الملك وسعة السلطان والتبريز في الفنون والصناعات ، ثم نظر في الاسلام فعرف انه الدين الحق فأسلم ، وألف كتابا باللغة الانكليزية سماه ( لماذا أسلمت ) بين فيه ما ظهر له من مزايا الاسلام على جميع الأديان ، وكان أهمها عنده ان الاسلام هو الدين الوحيد الذي له تاريخ صحيح محفوظ ، فالآخذ به يعلم أنه هو الدين الذي جاء به محمد بن عبد اللّه النبي الأمي العربي المدفون في المدينة المنورة من بلاد العرب . وقد كان من مثار العجب عنده أن ترضى أوربة لنفسها دينا ترفع من تنسبه اليه عن مرتبة البشر فتجعله إلها ، وهي لا تعرف من تاريخه شيئا يعتد به ، فان هذه الأناجيل الأربعة على عدم ثبوت أصلها وعدم الثقة بتاريخها ومؤلفيها لا تذكر من تاريخ المسيح الا وقائع قليلة ، حدثت كما تقول في أيام معدودة . ولا يذكر فيها شيء يعتد به عن نشأة هذا الرجل وتربيته وتعليمه وأيام صباه وشبابه ! ! وللّه في خلقه شؤون