الشيخ محمد رشيد رضا
290
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هذه العبارة يراد بها المبالغة في بيان ان الذي كتب عن المسيح لا يبلغ عشر معشار تاريخه . ومن البديهي ان تلك الأعمال الكثيرة التي لم تكتب وقعت في أزمنة كثيرة ، وانه تكلم في تلك الأزمنة وعند تلك الأعمال كثيرا . فهذا كله قد ضاع ونسي . وحسبنا هذا حجة عليهم في إثبات قول اللّه تعالى ( فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ) وحجة على بعض علمائنا الذين ظنوا ان كتبهم حفظت وتواترت . قال صاحب ذخيرة الألباب « ان الإنجيل لا يستغرق كل أعمال المسيح ولا يتضمن كل أقواله ، كما شهد به القديس يوحنا » ( 2 ) الإنجيل في الحقيقة واحد وهو ما جاء به المسيح عليه السّلام من الهدى والبشارة بخاتم النبيين ( ص ) وهو ما كان يدور ذكره على ألسنة كتاب تلك التواريخ الأربعة وغيرهم حكاية عن المسيح وعن ألسنتهم أنفسهم . قال متى حكاية عنه ( 26 : 13 الحق أقول لكم حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضا بما فعلته هذه تذكارا لها ) أي ما فعلته المرأة التي سكبت قارورة الطيب على رأسه . أوجب عليهم ان يخبروا كل من يبلغونهم الإنجيل في عالم اليهودية كلها بما فعلته تلك المرأة ، فخبر تلك المرأة ليس من الإنجيل الذي جاء في كلام المسيح ، وقد ذكر في تلك التواريخ امتثالا لامره . وسميت تلك التواريخ أناجيل لأنها تتكلم عن إنجيل المسيح وتجيء بشيء منه . ولذلك بدأ مرقس تاريخه بقوله « بدء إنجيل يسوع المسيح » ثم قال حكاية عن المسيح ( 1 : 15 فتوبوا وآمنوا بالإنجيل » فالإنجيل الذي أمر الناس ان يؤمنوا به ليس هو أحد هذه التواريخ الأربعة ولا مجموعها . وهو الذي سماه بولس في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي « الإنجيل » المطلق ( 2 : 4 ) وإنجيل اللّه ( 2 : 8 و 9 ) وإنجيل المسيح ( 3 : 2 ) . والكتاب الإلهي يضاف إلى اللّه بمعنى انه أوحاه ، وإلى النبي بمعنى انه أوحي اليه أو جاء به ، كما يقال توراة موسى ( 3 ) كانت الأناجيل في القرون الأولى للمسيح كثيرة جدا حتى قيل إنها بلغت زهاء سبعين إنجيلا . وقال بعض مؤرخي الكنيسة ان الأناجيل الكاذبة كانت 35 إنجيلا . وقد رد صاحب كتاب ( ذخيرة الألباب ) الماروني القول بكثرتها