الشيخ محمد رشيد رضا

287

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

للنبي ( ص ) وهو الذي كان أطمعهم بقتله وحملهم على الغدر به ، فغره قول رئيس المنافقين ، فبعث إلى النبي ( ص ) اننا لا نخرج فافعل ما بدا لك . وهذا اعلان للحرب . فخرج النبي ( ص ) والمسلمون إليهم يحمل لواءه علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه . فلما انتهوا إليهم أقاموا على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة ، وخانهم ابن أبي ولم تنصرهم قريظة وغطفان ، فلما اشتد عليهم الحصار رضوا بالخروج سالمين . وكان النبي ( ص ) قادرا على استئصالهم ولكنه اختار العفو والاحسان واكتفاء شرهم بابعادهم عن المدينة ، فأنزلهم على أن يخرجوا منها بنفوسهم وذراريهم وما حملت الإبل الا السلاح . وأجلاهم إلى خيبر . ولا شك ان هذا ضرب من ضروب العفو والاحسان عظيم . والظاهر أن الآية نزلت بعد ذلك كله لأنها من آخر ما نزل ، ولم يعاقب اليهود بعدها على خيانة ولا غدر ، ولكنه أوصى بإجلائهم عن جزيرة العرب بعده . * * * ولما بين اللّه تعالى العبرة بنقض اليهود لميثاقهم وما كان من أمرهم ، أعقبه ببيان حال النصارى في ذلك فقال وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أي وكذلك أخذنا ميثاق الذين سموا أنفسهم نصارى من أهل الكتاب الأول ، وهم الذين قالوا إنهم اتبعوا المسيح ونصروه ، وقد صاروا طائفة مستقلة مؤلفة من الإسرائيليين وغيرهم . فنقضوا ميثاقهم ونسوا حظا ونصيبا مما ذكروا به على لسان المسيح عيسى بن مريم كما فعل الذين من قبلهم فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ الفاء للسببية اي فكان نسيان حظ عظيم من كتابهم سببا لوقوعهم في الأهواء والتفرق في الذين الموجب بمقتضى سنتنا في البشر للعداوة والبغضاء . والاغراء التحريش واسناده إلى اللّه تعالى مع كونه من أعمالهم الاختيارية سببا ومسببا لأنه من مقتضى سننه في خلقه . فهذا جزؤهم في الدنيا وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ عندما يحاسبهم في الآخرة ، ينبئهم بحقيقة ضلالهم ويجازيهم عليه بعد ذلك ليعلموا انه حكم عدل لا يظلم مثال ذرة . بين اللّه لنا ان النصارى نسوا حظا مما ذكروا به كاليهود . وسبب ذلك أن المسيح عليه السّلام لم يكتب ما ذكرهم به من المواعظ وتوحيد اللّه وتمجيده والارشاد