الشيخ محمد رشيد رضا

281

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ) وهذه هي نكتة تأخير الايمان بالرسل وهو من أصول العقائد على الصلاة والزكاة وهما من فروع الاعمال ، فان الخطاب لقوم مؤمنين باللّه ورسوله الذي بلغهم ذلك . والتعزير النصرة مع التعظيم كما قال الراغب ، وسمي ما دون الحد من التأديب الشرعي تعزيرا لأنه نصرة من حيث إنه قمع للمعزّر عما يضر ومنع له ان يقارفه . فالتعزير قسمان : ان ترد عن المرء ما يضره ، أو ترده هو عما يضره مطلقا ، والأول هو تعزير الناس للرسل وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً اي وبذلتم من المال والمعروف فوق ما أوجبه اللّه وفرضه عليكم بالنص فكنتم بذلك بمثابة من اقرض ماله لغني ملي وفيّ فهو لا يضيع عليه ولكنه يجده امامه عند شدة الحاجة اليه . وإذا أردت ان تعرف ما في هذا التعبير ، من البلاغة والتأثير ، فارجع إلى تفسير قوله تعالى ( 2 : 245 مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) في ص 456 - 462 من جزء التفسير الثاني لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ هذا جواب القسم ، أي لأزيلن بتلك الحسنات الخمس - الصلاة والزكاة والايمان بالرسل وتعزيرهم والاقراض الحسن - تأثير سيئاتكم الماضية من نفوسكم ، فلا يبقى فيها خبث يقتضي العقاب . وذلك بحسب ما مضت به سنة اللّه تعالى من اذهاب الحسنات للسيئات ، كما يغسل الماء القاذورات ، وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لا يدخلها الا من كان طاهر النفس من الشرك وما يتبعه من مفسدات الفطرة ، وقد تقدم بيان هذا وتفسير هذه العبارة مرارا . ولما بين اللّه تعالى العمل الصالح والوعد بالجزاء الحسن عليه ، أعقبه ببيان حال من كان على ضده فقال فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي ضل الصراط المستقيم والسبيل السويّ الذي يوصل سالكه إلى إصلاح قلبه وتزكية نفسه ، ويجعله أهلا لجوار اللّه تعالى في تلك الجنات ، وانحرف عن وسطه فخرج عنه بسلوك احدى سبل الباطل المفسدة للفطرة وألم ؟ ؟ ؟ ية للنفس التي يدخل سالكها إلى دار الجحيم ، والخزي المقيم * * * فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً أي فبسبب نقضهم ميثاقنا الذي أخذناه عليهم وواثقناهم به - ومنه الايمان بمن نرسله إليهم من ( تفسير القرآن ) « 36 » ( الجزء السادس )