الشيخ محمد رشيد رضا

274

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هو ميزان الحقوق متى وقعت فيه المحاباة والجور لأي سبب أو علة من العلل زالت الثقة من الناس ، وانتشرت المفاسد وضروب العدوان بينهم ، وتقطعت روابطهم الاجتماعية ، وصار بأسهم بينهم شديدا ، فلا يلبثون أن يسلط اللّه تعالى عليهم بعض عباده الذين هم أقرب إلى إقامة العدل والشهادة بالقسط منهم فيزيلون استقلالهم ، ويذيقونهم وبالهم ، وتلك سنة اللّه التي شهدناها في الأمم الحاضرة ، وشهد بها تاريخ الأمم الغابرة ، ولكن الجاهلين الغافلين لا يسمعون ولا يبصرون ، فانى يعتبرون ويتعظون ؟ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا أي ولا يكسبنكم ويحملنكم بغض قوم وعداوتهم لكم أو بغضكم وعداوتكم لهم ، على عدم العدل في أمرهم ، بالشهادة لهم بحقهم ، إذا كانوا أصحاب الحق ، ومثلها هنا الحكم لهم به ، فلا عذر لمؤمن في ترك العدل وإيثاره على الجور والمحاباة ، وجعله فوق الأهواء وحظوظ الأنفس ، وفوق المحبة والعداوة مهما كان سببهما . فلا يتوهمن متوهم انه يجوز ترك العدل في الشهادة للكافر ، أو الحكم له بحقه على المؤمن ولم يكتف بالتحذير من عدم العدل مهما كان سببه والنية فيه ، بل أكد أمره بقوله اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى أي قد فرضت عليكم العدل فرضا لا هوادة فيه اعدلوا ، هو - أي العدل المفهوم من اعدلوا - أقرب لتقوى اللّه أي لاتفاء عقابه وسخطه باتفاء معصيته وهي الجور الذي هو من أكبر المعاصي لما يتولد منه من المفاسد وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ الخبرة العلم الدقيق الذي يؤيده الاختبار ، أي لا يخفى عليه تعالى شيء من أعمالكم ظاهرها وباطنها ، ولا من نياتكم وحيلكم فيها ، وهو الحكم العدل القائم بالقسط ، فاحذروا ان يجزيكم بالعدل على ترككم العدل ، فقد مضت سنته العادلة في خلقه بان جزاء ترك العدل وعدم إقامة القسط في الدنيا هو ذل الأمة وهو انها ، واعتداء غيرها من الأمم على استقلالها ، ولجزاء الآخرة أذل وأخزى ، وأشد وأبقى . قال نبينا ( ص ) « إذا ظلم أهل الذمة كانت الدولة دولة العدوّ » رواه الطبراني عن جابر وقد تقدم في سورة النساء ( 4 : 134 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ