الشيخ محمد رشيد رضا
270
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والخير والفضيلة ، ولا يصعد الانسان إلى مستوى كماله الا ببذل الجهد في معالي الأمور ، وانما الحرج هو الضيق والمشقة فيما ضرره أرجح أو أكبر من نفعه ، كالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة ، والامتناع من سد الرمق بلحم الميتة أو الخنزير أو الخمر لمن لمن لا يجد غيرها ، وكاستعمال المريض الماء في الوضوء أو الغسل مع خشية ضرره وكذلك استعماله في البرد بهذا القيد - أو فيما يمكن ادراك غرض الشارع منه بدون مشقة في وقت آخر كالصيام في المرض والسفر . وقد صرح القرآن الحكيم بعد بيان فرضية الصيام والرخصة للمريض والمسافر بالفطر بأنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر وقد بنى العلماء على أساس نفي الحرج والعسر واثبات إرادة اللّه تعالى اليسر بالعباد في كل ما شرعه لهم عدة قواعد وأصول ، فرعوا عليها كثيرا من الفروع في العبادات والمعاملات ، منها : إذا ضاق الامر اتسع * المشقة تجلب التيسير * درء المفاسد مقدم على جلب المنافع * الضرورات تبيح المحظورات * ما حرم لذاته يباح للضرورة ، وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة . وقد ناط الفقهاء معرفة المشقة التي تجلب التيسير وتكون سبب التخفيف بعرف الناس فيما لا نص فيه . واستشكل القرافي هذا الضابط فيما يسكتون عن بيانه وتحديده من العرف وقال إن الفقهاء من أهل العرف وليس وراءهم من أهله الا العوام الذين لا يؤخذ بقولهم ولا رأيهم في الدين ( وعبارته : لا يصح تقليدهم في الدين ) ورأى إزالة الإشكال بان ما لم يرد الشرع بتحديده يتعين تقريبه بقواعد الشرع ، وبين ذلك بقوله : يجب على الفقيه ان يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص أو اجماع أو استدلال ، ثم ما ورد عليه من المشاق مثل تلك المشقة أو أعلى منها جعله مسقطا ، وان كان أدنى منها لم يجعله مسقطا . مثاله التأذي بالعمل في الحج مبيح للحلق بالحديث الوارد عن كعب بن عجرة ، فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح والا فلا . والسفر مبيح للفطر فيعتبر به غيره من المشاق . اه ووافقه عليه أبو القاسم ابن الشاط الأنصاري وأقول فيما استشكله من نوط ما لم يرد في الشرع بالعرف نظر ظاهر ، فان العلماء الذين ناطوا بعض المسائل بالعرف انما وقع ذلك منهم أفذاذا في أثناء البحث أو