الشيخ محمد رشيد رضا

267

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عن حكمته لان استعداده لطلب الحكمة ضعيف ، ولكنه إذا قبل ذلك بادئ بدء من غير معرفة حكمته لا يلبث أن ينال حظا من هذه الحكمة عندما يتفقه في دينه كما يجب عليه . ومهما ضعف الدين فهو أعم تأثيرا من الاقناع العقلي ، فقلما يوجد مسلم متدين لا يغتسل من الجنابة . وما نراه من ترك كثير ممن يسمون مسلمين للكثير من مهمات الاسلام فسببه انه ليس لهم من الاسلام الا الاسم ، فلا تعلموا حقيقته ، ولا تربوا على تزكيته . و ( رابعا ) ان معنى كون الطهارة وغيرها من الاعمال الأدبية والفضائل دينا هو ان الوحي الإلهي يأمرنا بها لما فيها من الخير والفوائد الذاتية التي تنفعنا وتدرأ الضر عنا وهو ما بيناه أولا ، ولفوائد أخرى لا ندركها الا بجعلها من أحكام الدين و ( خامسا ) - وهذا هو المقصد وما قبله تمهيد ومقدمات - ان الفوائد من جعل الطهارة من أحكام الدين وعباداته أربع وهي كما ترى : الفوائد الدينية للطهارة الحسية ( الفائدة الأولى ) أن يتفق على المواظبة عليها كل مذعن لهذا الدين من حضري وبدوي ، وذكي وغبي ، وفقير وغني ، وكبير وصغير ، وأمير ومأمور ، وعالم بحكمتها ، وجاهل لمنفعتها ، حتى لا تختلف فيها الآراء ، ولا تحول دون العمل بها الأهواء ، كما هو شأن البشر في جميع ما يستقلون فيه من الأشياء ( الفائدة الثانية ) أن تكون من المذكرات لهم بفضل اللّه ونعمته عليهم ، حيث شرع لهم ما ينفعهم ويدرأ الضرر عنهم ، فإذا تذكروا انه يرضيه عنهم أن تكون أجسادهم على أكمل حال من النظافة والطهارة ، يتذكرون أن أهم ما فرض عليهم لأجله تطهير أجسادهم ، هو انه من وسائل تزكية أنفسهم وتطهير قلوبهم ، وتهذيب أخلاقهم التي يترتب عليها صلاح أعمالهم ، لأنه تعالى ينظر نظر الرضاء والرحمة إلى القلوب والاعمال ، لا إلى الصور والأبدان ، فيعنون بالجمع بين الامرين ، توسلا بهما إلى سعادة الدارين ، كما هو مقتضى الاسلام « ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار » ( الفائدة الثالثة ) ان مجرد ملاحظة المؤمن امتثال أمر اللّه تعالى بالعمل ، وابتغاء