الشيخ محمد رشيد رضا

259

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لكم ، وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ من القذر ولأذى ومن الرذائل والمنكرات والعقائد الفاسدة فتكونوا أنظف الناس أبدانا وأزكاهم نفوسا وأصحهم أجساما وأرقاهم أرواحا ، وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بالجمع بين طهارة الأرواح وتزكيتها ، وطهارة الأجساد وصحتها ، فإنما الانسان روح وجسد ، لا تكمل انسانيته الا بكمالهما معا ، فالصلاة تطهر الروح وتزكي النفس لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وتربي في المصلي ملكة مراقبة اللّه تعالى وخشيته لدى الإساءة ، وحبه والرجاء فيه عند الاحسان ، وتذكره دائما بكماله المطلق فتتوجه همته دائما إلى طلب الكمال ، ( راجع تفسير « 2 : 137 حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى » في الجزء الثاني من التفسير ) والطهارة التي جعلها اللّه تعالى شرطا للدخول في الصلاة ومقدمة لها تطهر البدن وتنشطه فيسهل بذلك العمل على العامل من عبادة وغير عبادة ، فما أعظم نعمة اللّه تعالى على الناس بهذا الدين القويم ! وما أجدر من هداه اللّه اليه ، بدوام الشكر له عليه ! ولذلك ختم الآية بقوله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي وليعدكم بذلك لدوام شكره فتكونوا أهلا له ويكون مرجوّا منكم ، لتحقق أسبابه ، ودوام المذكرات به ، فتعنوا بالطهارة الحسية والمعنوية ، وتقوموا بشكر النعم الظاهرة والباطنة . وقد استعمل لفظ الطهارة في بعض الآيات بمعنى الطهارة البدنية الحسية ، وفي بعضها بمعنى الطهارة النفسية المعنوية ، وفي بعض آخر بالمعنيين جميعا بدلالة القرينة . فمن الأول قوله تعالى ( 74 : 4 وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) وقوله في النساء الحيض ( 2 : 221 وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) أي من الدم ( فَإِذا تَطَهَّرْنَ ) أي اغتسلن بعد انقطاع الدم ( فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ) وختم الآية بقوله ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) والتطهر فيه شامل للطهارتين الحسية والمعنوية ، أي المتطهرين من الأقذار والاحداث ، ومن الفواحش والمنكرات ، فالسياق قرينة على المعنى الأول ، وذكر التوبة قرينة على المعنى الثاني ، ويشير اليه السياق من حيث إن من أتى الحائض قبل ان تطهر وتتطهر يجب عليه التوبة . ومن المعنى الثاني خاصة قوله عز وجل ( أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ) وقوله تعالى حكاية عن قوم لوط ( أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) أي من