الشيخ محمد رشيد رضا

197

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كلها ليكون الانسان معتمدا على كسبه وسعيه ، فان التذكية عبارة عن ازهاق روح الحيوان لأجل أكله ولها صور وكيفيات كثيرة كما علم من تفسيرنا للآية ( 2 ) ان الميت حتف انفه يغلب ان يكون قد مات لمرض أو أكل نبات سام وبذلك يكون لحمه ضارا . وكذا إذا مات من شدة الضعف وانحلال الطبيعة ( 3 ) استقذار الطباع السليمة له واستخباثه وعد أكله مهانة تنافي عزة النفس وكرامتها . ثم قلنا هنالك ما نصه : « واما ما هو في معنى الميتة حتف أنفها من المنخنقة والموقوذة الخ فيظهر في علة تحريمه كل ما ذكر الا حكمة توقي الضرر في الجسم فيظهر فيه بدلها تنفير الناس عن تعريض البهيمة للموت بإحدى هذه الميتات القبيحة في حال من الأحوال ، وان يعرفوا ان الشرع يأمر بالمحافظة على حياة الحيوان وينهي عن تعذيبه أو تعريضه للتعذيب ، ويعاقب من يتهاون في ذلك بتحريم أكل الحيوان عليه كيلا يتهاون في حفظ حياته . فان الرعاة يغضبون أحيانا على بعض البهائم فيقتلونه بالضرب ويحرشون بين البهائم فيغرون الكبشين بالتناطح حتى يهلكا أو يكادا . ومن كان يرعى انعام غيره بالأجرة يقع له مثل هذا أكثر ، ولو كان كل ما هلك بتلك الميتات حلالا لما بعد ان يتعمد الرعاة وأمثالهم من التحوت تعريض البهائم لها ليأكلوها بعذر . ويدل على هذه الحكمة أحاديث صحيحة منها قوله ( ص ) بعد النهي عن الحذف وهو الرمي بالحصا والبندق ( الطين المشوي لذلك ) انها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا ولكنها تكسر السن وتفقأ العين » رواه أحمد والبخاري ومسلم اه ثم ذكرنا ( في ص 822 م 6 ) حكمة أخرى في ضمن مقالة وعظية لعالم مغربي أيد بها فتوى الأستاذ الإمام قال : وهل عرف أولئك العلماء حكمة الذبح المعتاد وشيوعه بين المسلمين بقطع الحلقوم والمريء مع قيام غيره مقامه في الصيد والدابة الشاردة والسمك والجراد والجنين في بطن أمه ؟ . . . فليعلموا ان كل قتل بحسب الأصل موصل للمقصود ولكن اللّه لحكمته ورحمته بنا وبالحيوان جعل بيننا قسمة عادلة ومنة عامة فحرم علينا ما قتله الحيوان وما مات في الخلاء بغير قصد منا ليبقى ذلك كله للحيوان يأكله لأنها أمم أمثالنا . وكأنه تعالى لم يرض ان نأكل ما لم نقصده ولم نفكر فيه فاما المذكى والصيد والسمك والجراد ونحوها فإنها كلها لا تؤخذ الا بالنصب والتعب اه