الشيخ محمد رشيد رضا
187
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بأن سورة المائدة نزلت بعد سورة البقرة وليس فيها منسوخ فان فرضنا ان أهل الكتاب يدخلون في عداد المشركين يجب أن تكون آية المائدة مخصصة لآية البقرة مستثنية أهل الكتاب من عمومها والا فهي نص مستقل في جواز التزوج بنسائهم وقد سكت القرآن عن النص الصريح في حكم التزوج بغير المشركات والكتابيات من أهل الملل الذين لهم كتاب أو شبهة كتاب كالمجوس والصابئين ومثلهم البوذيون والبراهمة واتباع كونفوشيوس في الصين ، وقد علمت أن علماءنا الذين حرص بعضهم على إدخال أهل الكتاب في عداد المشركين لا يترددون في إدخال هؤلاء كلهم في عموم المشركين ، وان ورد في الكتاب والسنة ما هو صريح في التفرقة والمغايرة . فكما غاير القرآن بين المشركين وأهل الكتاب خاصة في مثل قوله ( 98 : 1 لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) وقوله ( 3 : 186 وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً ) وذكر أهل الكتاب بقسميهم في معرض المغايرة في قوله ( 5 : 82 لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ) الآية . كذلك ذكر الصابئين والمجوس وعدهم صنفين غير أهل الكتاب والمشركين والمسلمين فقال في سورة الحج ( 22 : 17 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) فهذا العطف في مقام تعداد أهل الملل يقتضي أن يكون كل من الصابئين والمجوس طائفتين مستقلتين ليستا من الصنف الذي يعبر عنه الكتاب بالمشركين وبالذين أشركوا . وذلك أن كلا من الصابئين والمجوس عندهم كتب يعتقدون انها إلهية ولكن بعد العهد وطول الزمان جعل أصلها مجهولا لنا ولا يبعد ان يكون من جاؤوا بها من المرسلين لأن اللّه تعالى يقول ( 35 : 24 إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ) وقال ( 13 : 7 إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) وإنما قويت فيهم الوثنية لبعد العهد بأنبيائهم على القاعدة المفهومة من قوله تعالى ( 57 : 17 أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ، وَلا