الشيخ محمد رشيد رضا

16

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مكة وجبل فاران هو أبو قبيس الذي نزل فيه الوحي على نبينا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم وهو في غار حراء . فإذا كان هؤلاء اليهود قد نقضوا عهد اللّه وميثاقه الغليظ عليهم بحفظ التوراة كما تنبأ عنهم نبيهم عند اخذ الميثاق عليهم فهل يستغرب منهم تحريف بشارته بعيسى ومحمد ( ص ) ومشاقتهما ؟ قال تعالى * * * فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ أي فبسبب نقض أهل الكتاب لميثاقهم الذين واثقهم اللّه به إذ نكثوا فتله ، وأحلوا ما حرمه وحرموا ما أحله ، وكفرهم بآيات اللّه التي أراهم منها ما لم يره سواهم ، وقتلهم الأنبياء الذين بعثوا لهدايتهم ، كزكريا ويحيى عليهما السّلام ، وقولهم قلوبنا غلف ، وغير ذلك من سيئاتهم التي يذكر أهم كبائرها في الآيات الآتية - أي بسبب هذا كله فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن والغضب وضرب الذلة والمسكنة وإزالة الملك والاستقلال ، لأن هذه الذنوب قد مزقت نسيج وحدتهم ، وفرقت شمل أمتهم ، وذهبت بريحهم وقوتهم ، وأفسدت جميع أخلاقهم ، فكل ما حل بهم من البلاء ، هو أثر ذلك النقض والكفر والعصيان . فعلم من هذا ان قوله تعالى « فَبِما نَقْضِهِمْ » متعلق بمحذوف يدل عليه ما عرف من حالهم في القرآن ، وفي التاريخ والعيان ، ومثل هذا الحذف كثير في الكلام ، وكلمة « ما » الفاصلة بين الباء وقوله « نقضهم » تفيد التأكيد سواء كانت مزيدة في الإعراب ، أو نكرة تامة مجرورة بالباء ونقضهم بدل منها . وقيل إنه متعلق بقوله تعالى في الآية الآتية ( 158 ) « حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ » كأنه قال فبسبب نقضهم ميثاقهم وكفرهم وقتلهم الأنبياء وقولهم قلوبنا غلف ، وبكفرهم بعد ذلك بعيسى وافترائهم على أمه ، وتبجحهم بدعوى قتله ، وبظلمهم في غير ذلك من أعمالهم وأحكامهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم » الخ فيكون قوله تعالى « فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ » الخ بدلا من قوله « فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ » ومثل هذا معهود في الكلام إذا طال . ولكن اعترض هذا من جهة المعنى لا الاعراب . وذلك ان تحريم تلك الطيبات عليهم كان قبل هذه الجرائم التي منها قتل الأنبياء وبهت المسيح ووالدته