الشيخ محمد رشيد رضا

170

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ » وقد استعملا في الاناسي والأشياء والافعال والأقوال ومنه مثل الكلمة الخبيثة والكلمة الطيبة في سورة الرعد ، ومنه « بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ » . قال الراغب المخبث والخبيث ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان أو معقولا ، وأصله الرديء الدّخلة الجاري مجرى خبث الحديد . اه وقال في الحرف الآخر : وأصل الطيب ما تستلذه الحواس وما تستلذه النفس اه فجعل الطيب أخص من مقابله في بابه ، والصواب ما قلناه ، والطيبات من الطعام هي ما تستطيبه النفوس السليمة الفطرة المعتدلة المعيشة بمقتضى طبعها فتأكله باشتهاء ، وما أكله الانسان باشتهاء هو الذي يسيغه ويهضمه بسهولة فيتغذى به غذاء صالحا . وما يستخبثه ويعافه لا يسهل عليه هضمه ولا ينال منه غذاء صالحا ، بل يضره غالبا فما حرمه اللّه في الآية السابقة خبيث بشهادة اللّه الموافقة لفطرته التي فطر الناس عليها ، فما زال السواد الأعظم من أصحاب الطباع السليمة والفطرة المعتدلة يعافون أكل الميتة حتف أنفها وما ماثلها من فرائس السباع والمترديات والنطائح ونحوها ، وكذلك الدم المسفوح ، وأما لحم الخنزير فإنما يعافه من يعرف ضرره وانهماكه في اكل الأقذار . و ( الجوارح ) جمع جارحة وهي الصائدة من الكلاب والفهود والطيور كما قال الراغب ، قال المفسرون سميت الصوائد جوارح من الجرح بمعنى الكسب فهي كالكاسب من الناس قال تعالى ( وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ) أي كسبتم ، وقيل من الجرح بمعنى الخدش أي ان من شأنها ان تجرح ما تصيده ، و ( مُكَلِّبِينَ ) اسم فاعل من التكليب وهو تعليم الجوارح وتأديبها واضراؤها بالصيد ، وأصله تعليم الكلاب ، غلب لأنه الأكثر ، وقيل إنه من الكلب . ( بالتحريك ) بمعنى الضراوة يقال : هو كلب ( ككتف ) بكذا ، إذا كان ضاريا به . وموضع « مُكَلِّبِينَ » النصب على الحال ، وكذلك جملة « تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ » أو هي استئناف ، أي أنتم تعلمونهن مما علمكم اللّه ، أي مما ألهمكم اللّه إياه وهداكم اليه من ترويضها والانتفاع بتعليمها ، وما الهمكم ذلك الانتفاع الا وهو يبيحه لكم ، ونكتة هذه الجملة على القول بأنها حالية مراعاة استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم لان اغفالها ينسيها ما تعلمت فتصطاد لنفسها ولا تمسك على صاحبها ، وامساكها عليه شرط لحل صيدها نص عليه في الجملة التي بعد هذه . وهذا التعليل الذي ألهمنيه اللّه