الشيخ محمد رشيد رضا

168

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حاصلا أو متوقعا يلجئ إلى التخلص منه بما هو أخف منه عملا بقاعدة « ارتكاب أخف الضررين » الثابتة عقلا وطبعا وشرعا ، واما ان يكون من غير نفسه كإكراه بعض الأقوياء بعض الضعفاء على ما يضرهم ، ومن هذا القبيل قوله تعالى ( ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ ) وما نحن فيه من القسم الأول ، والضرر الملجئ فيه هو المخمصة أي المجاعة ، وهي مأخوذة من خمص البطن أي ضموره لفقد الطعام ، فالجوع ضرر يدفع الانسان إلى تكلف أكل الميتة وان كان يعافها طبعا ويتضرر بها لو تكلف أكلها في حال الاختيار سواء كان بها علة أم لا ، وقد وافق الشرع الفطرة فأباح للمضطر أكل الميتة وغيرها من المحرمات لهذه الضرورة . ولا يبيح ذلك أي جوع يعرض للانسان ولا الجوع الشديد مطلقا بل الجوع الذي لا يجد معه الجائع شيئا يسد به رمقه الا المحرم مما ذكر . يدل على هذا المعنى قوله « فِي مَخْمَصَةٍ » أي فمن اضطر فاكل مما ذكر حال كونه في مجاعة محيطة به إحاطة الظرف بالمظروف لا يجد منفذا منها الا ما ذكر ، وحال كونه « غير متجانف لأثم » أي غير جائر فيه أو متمايل اليه متعمد له ، فالجنف الميل والجور ويصدق بالميل إلى الاكل ابتداء وبالجور فيه بأكل الكثير ، وهو في معنى قوله في آيتي الانعام والنحل « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ » * أي غير طالب له ولا متعد ومتجاوز قدر الضرورة فيه . فعبارة سورة المائدة أوجز ، وانما اشترط هذا لأن الإباحة لضرورة فيشترط تحققها أولا وكونها هي الحامل على الاكل ، وان تقدر بقدرها فيأكل بقدر ما يدفع الضرر لا يعدوه إلى الشبع ، وهذا الشرط معقول في حكم الضرورات فهو نافع للمضطر أدبا وطبعا لأنه يمنعه ان يتجرأ على تعود ما فيه مهانة له وضرر ، والظاهر أن المضطر مخير بين تلك المحرمات أو يختار أقلها ضررا وقد يكون أشهاها اليه . فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي فمن اضطر إلى أكل شيء مما ذكر فأكل منه في مجاعة لا يجد فيها غيره وهو غير مائل اليه لذاته ولا جائر فيه متجاوز قدر الضرورة فان اللّه غفور لمثله لا يؤاخذه على ذلك ، رحيم به يرحمه ويحسن اليه . * الأصل في الأشياء الحل إذ من المعلوم بسنن الفطرة وآيات الكتاب ان اللّه سخر هذه الأرض وما فيها للناس ينتفعون بها ، ويظهرون اسرار خلق اللّه وحكمه