الشيخ محمد رشيد رضا
161
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الكتاب على السنة أم بالعكس أم هما متعارضان ؟ وقد تكلم الناس في حديث معاذ ورأوا انه خلاف الدليل ، فان كل ما في الكتاب لا يقدم على كل السنة فان الأخبار المتواترة لا تضعف في الدلالة عن أدلة الكتاب ، واخبار الآحاد في محل الاجتهاد مع ظواهر الكتاب ولذلك وقع الخلاف ، وتأولوا التقديم في الحديث على معنى البداية بالأسهل الأقرب وهو الكتاب ، فإذا كان الامر على هذا فلا وجه لاطلاق القول بتقديم الكتاب بل المتبع الدليل « فالجواب ان قضاء السنة على الكتاب ليس بمعنى تقديمها عليه واطراح الكتاب بل إن ذلك المعبر في السنة هو المراد في الكتاب فكأن السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب ، ودل على ذلك قوله « لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » فإذا حصل بيان قوله تعالى « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما » بأن القطع من الكوع وان المسروق نصاب فأكثر من حرز مثله فذلك هو المعنى المراد من الآية ، لا أن نقول إن السنة أثبتت هذه الأحكام دون الكتاب ، كما إذا بين مالك أو غيره من المفسرين معنى آية أو حديث فعملنا بمقتضاه فلا يصح لنا ان نقول اننا عملنا بقول المفسر الفلاني دون أن نقول عملنا بقول اللّه أو قول رسوله عليه السّلام . وهكذا سائر ما بينته السنة من كتاب اللّه تعالى . فمعنى كون السنة قاضية على الكتاب انها مبينة له فلا يوقف مع إجماله واحتماله - وقد بينت المقصود منه - لا أنها مقدمة عليه « وأما خلاف الأصوليين في التعارض فقد مر في أول كتاب الأدلة ان خبر الواحد إذا استند إلى قاعدة مقطوع بها فهو في العمل مقبول والا فالتوقف ، وكونه مستندا إلى مقطوع به راجع إلى أنه جزئي تحت معنى قرآني كلّي وتبين معنى هذا الكلام هنالك . فإذا عرضنا هذا الموضع على تلك القاعدة وجدنا المعارضة في الآية والخبر معارضة أصلين قرآنيين فيرجع إلى ذلك ، وخرج عن معارضة كتاب مع سنة ، وعند ذلك لا يصح هذا التعارض الا من تعارض قطعيين ، واما إذا لم يستند الخبر إلى قاعدة قطعية فلا بد من تقديم القرآن على الخبر باطلاق « تفسير القرآن » « 21 » « الجزء السادس »