الشيخ محمد رشيد رضا
149
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والظاهر من اختلاف الروايات انه كان يكون عند بعض الكهنة أزلام غير السبعة التي عند هبل التي يفصل فيها في كل الأمور المهمة . وانهم كانوا يتعرفون قسمتهم وحظهم أو يرجحون مطالبهم بغير ذلك من اللعب الذي يسكن به اضطراب نفوس أصحاب الأوهام ، وفسر مجاهد الأزلام بكعاب فارس والروم التي يقمرون بها وسهام العرب . وقال الأزهري : الأزلام كانت لقريش في الجاهلية مكتوب عليها أمر ونهي وافعل ولا تفعل ؟ وقد زلمت وسويت ووضعت في الكعبة يقوم بها سدنة البيت ، فإذا أراد أحد سفرا أو نكاحا أتى السادن وقال اخرج لي زلما : فيخرجه وينظر اليه الخ ( قال ) وربما كان مع الرجل زلمان وضعهما في قرابه فإذا أراد الاستقسام اخرج أحدهما اه وهذا محل الشاهد . وقال بعضهم ان الأزلام قداح الميسر ، وقال بعضهم انها النرد والشطرنج . والجمهور على القول الأول . وقد بينا سهام الميسر في تفسير ( 2 : 219 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ) وهي عشرة لها أسماء لسبعة منها أنصبة متفاوتة فليراجعه من شاء ( ص 332 ج 2 تفسير ) واللعب بالنرد ونحوه ليس استقساما وقد يستقسم به أما سبب تحريم الاستقسام فقد قيل إنه ما فيه من تعظيم الأصنام ويرده أن التحريم عام يشمل ما كان عند الأصنام وما لم يكن كالزلمين اللذين يحملهما الرجل معه في رحله ، وقيل لأنه طلب لعلم الغيب الذي استأثر اللّه به ، ويرده انه لم يكن يطلب بها علم الغيب في مثل الامر والنهي ، على أن جعل هذا محرما وعلة للتحريم غير ظاهر ، وصرح بعضهم برده . وقيل لان فيها افتراء على اللّه ان أرادوا بقولهم « امرني ربي » اللّه عز وجل ، وجهلا وشركا ان أرادوا به الصنم ، ويرد بأن هذا رواية عن بعض الأزلام لا عن كلها والصواب أن هذا قد حرّم لأنه من الخرافات والأوهام التي لا يركن إليها الا من كان ضعيف العقل يفعل ما يفعل عن غير بينة ولا بصيرة ، ويترك ما يترك عن غير بينة ولا بصيرة ، ويجعل نفسه ألعوبة للكهنة والسدنة ، ويتفاءل ويتشاءم بما لا فأل فيه ولا شؤم ، فلا غرو ان يبطل ذلك دين العقل والبصيرة والبرهان ، كما أبطل التطير والكهانة والعيافة والعرافة وسائر خرافات الجاهلية ، ولا يليق ذلك كله الا بجهل الوثنية وأوهامها ومما يجب الاعتبار به في هذا المقام ان صغار العقول كبار الأوهام في كل زمان