الشيخ محمد رشيد رضا
136
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ناشيء من أكله للقاذورات ، فمنه انه يولد الديدان الشريطية كالدودة الوحيدة نعوذ باللّه منها ، وسبب سريان ذلك اليه أكل العذرة ، ومنه انه يولد دودة أخرى يسميها الأطباء الشعرة الحلزونية وهي تسري إلى الخنزير من أكل الفيران الميتة ، ومنه ان لحمه أعسر اللحوم هضما لكثرة الشحم في أليافه العضلية ، وقد تحول الأنسجة الدهنية التي فيه دون عصير المعدة فيعسر هضم المواد الزلالية للعضلات فتتعب معدة آكله ويشعر بثقل في بطنه واضطراب في قلبه ، فان ذرعه القئ فقذف هذه المواد الخبيثة والا تهيجت الأمعاء وأصيب بالاسهال . ولولا العادة التي تسهل على كثير من الناس تناول السموم أكلا وشربا وتدخينا ، ولولا ما يعالجون به لحم الخنزير لتخفيف ضرره ، لما أمكن الناس ان يأكلوه ولا سيما أهل البلاد الحارة . ومن أراد أن يعرف كنه الضرر الذي ذكرناه مفصلا بعض التفصيل فليراجع المجلد السادس من المنار ( ص 302 - 308 ) فان قلت إن آية الانعام عللت تحريم أكل لحم الخنزير بكونه رجسا فهل معنى ذلك أكله للقذر ، أم ما فيه من الضرر ؟ فاعلم أن لفظ الرجس يطلق على كل ضار مستقبح حسا أو معنى ، فيسمى النجس رجسا ويسمى الضار رجسا ، ومن الأخير قوله تعالى ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) فتعليل آية الأنعام يشمل الأمرين اللذين ذكرناهما معا ، فهي من ايجاز القرآن الذي لا يصل الناس إلى شرحه وتفصيله الا باتساع دائرة علومهم وتجاربهم ( الرابع ما أهل لغير اللّه به ) وهذا هو الذي حرم لسبب ديني محض لا لأجل الصحة والنظافة كالثلاثة الماضية ، والمراد به ما ذبح أو نحر على ذكر غير اللّه تعالى من المخلوقات التي يعظمها الناس تعظيما دينيا ويتقربون إليها بالذبائح . والاهلال رفع الصوت . يقال أهلّ فلان بالحج إذا رفع صوته بالتلبية له ، ومنه استهل الصبي إذا صرخ عند الولادة . وكانوا يذبحون لأصنامهم فيرفعون صوتهم بقولهم : باسم اللات أو باسم العزّى . وحكمة تحريم أكل هذا انه من عبادة غير اللّه تعالى فالاكل منه مشاركة لأهله فيه ومشايعة لهم عليه ، وهو مما يجب إنكاره لا إقراره ، ورفع الصوت ليس هو علة التحريم ولا شرطا له بل هو لبيان الواقع ، وانما سبب التحريم