الشيخ محمد رشيد رضا

134

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وعشرة بالتفصيل وهاك بيانها وحكمة تحريمها ( الأول الميتة ) يراد بالميت عند الاطلاق ما مات حتف أنفه أي بدون فعل فاعل ، والتأنيث هنا وفي قوله والمنخنقة الخ لأنه وصف للشاة كما قالوا وهي تطلق على الذكر والأنثى من الغنم وان كانت موضوعة في الأصل للأنثى والمراد الشاة وغيرها من الحيوان المأكول . ولك أن تقدر البهيمة بدل الشاة ولفظها أعم وهو الذي ورد في قوله « أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ » فلما كانت هذه الآية مبينة لما استثني من حل بهيمة الأنعام صار المناسب ان نقول إن الميتة هنا صفة للبيهمة اى حرمت عليكم البهيمة الميتة . والمراد من الميتة في عرف الشرع ما مات ولم يذكه الانسان لأجل أكله تذكية جائزة ، فيدخل في عمومه جميع ما يأتي مع اعتبار قاعدة : إذا قوبل العام بالخاص يراد بالعام ما وراء الخاص . وحكمة تحريم ما مات حتف أنفه أنه يكون في الغالب ضارا لأنه لا بد ان يكون قد مات بمرض أو ضعف أو نسمة خفية مما يسمى الآن بالميكروب انحلت به قواه أو ولد فيه سموما ، وقد يعيش ميكروب المرض في جثة الميت زمنا ، ولأنه مما تعافه الطباع السليمة وتستقذره وتعده خبثا ، والمشهور عند علمائنا ان سبب ضرر الميتة احتباس الرطوبات فيها وفيه بحث سيأتي في الكلام على التذكية ( الثاني الدم ) والمراد به المسفوح أي المائع الذي يسفح ويراق من الحيوان وان جمد بعد ذلك بخلاف المتجمد في الطبيعة كالطحال والكبد ، وما يتخلل اللحم عادة فإنه لا يعد مسفوحا . وحكمة تحريم الدم الضرر والاستقذار أيضا كما قيل في الميتة ، اما كونه خبثا مستقذرا عند الناس فظاهر ، واما كونه ضارا فلأنه عسر الهضم جدا ويحمل كثيرا من المواد العفنة الميتة التي تنحل من الجسم ، وهي فضلات لفظتها الطبيعة كما تلفظ البراز واستعاضت عنها بمواد حية جديدة من الدم ، فالعود إلى التغذي بها يشبه التغذي بالرجيع ، وقد يكون في الدم جراثيم بعض الأمراض المعدية وهي تكون فيه أكثر مما تكون في اللحم ، وكذا اللبن الذي أعده الخالق الحكيم في أصل الطبيعة للتغذي به ، ومع هذا ترى الأطباء متفقين على وجوب غلي اللبن لأجل قتل ما عساه يوجد فيه من جراثيم الأمراض المعدية . والدم لا يغلى كما يغلى اللبن بل يجمد بقليل من