الشيخ محمد رشيد رضا
132
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
القوي القاهر ، العليم بما في السرائر ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ أي اتقوا اللّه أيها المؤمنون بالسير على سننه التي بينها لكم في كتابه وفي نظام خلقه ، لئلا تستحقوا عقابه الذي يصيب من أعرض عن هدايته ، ان اللّه شديد العقاب لمن لم يتقه باتباع شرعه ، ومراعاة سننه في خلقه ، لا هوادة ولا محاباة في عقابه ، لأنه لم يأمر بشيء الا وفعله نافع وتركه ضار ، ولم ينه عن شيء الا وفعله ضار وتركه نافع ، وفي معنى المأمور به كل ما رغب فيه ، وفي معنى المنهي عنه كل ما رغب عنه ، فلهذا كان ترك هدايته مفضيا بطبعه إلى الحرمان من المنافع والوقوع في المضار ، التي منها فساد الفطرة وعمى البصيرة ، وذلك إبسال للنفس يظهر أثره في الدنيا ، وسوء عاقبته في الآخرة . وكذلك عدم مراعاة سنن اللّه تعالى في خلق الانسان وسجاياه وتأثير عقائده وأخلاقه في أعماله ، وسننه في ارتقاء الانسان في أفراده وشعوبه ، كل ذلك يوقع الانسان في الغواية ، وينتهي به إلى شر عاقبة وغاية ، وانما يظلم الانسان نفسه ولا عتب له الا عليها ، والعقاب هنا يشمل عقاب الدنيا والآخرة كما أشرنا اليه ، وقد ورد في بعض الآيات التصريح بالجمع بينهما ، وفي بعضها التصريح بأحدهما ، كقوله في عذاب الأمم في الدنيا ( وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) . ووضع اسم الجلالة المظهر في قوله « إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » - والمقام مقام الاضمار - لما لذكر الاسم الكريم من الروعة والتأثير ، وذلك أدعى إلى حصول المقصود من الوعظ والتذكير . * * * ( 3 ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ، وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ، ذلِكُمْ فِسْقٌ . الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ، فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي