الشيخ محمد رشيد رضا

129

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الاحكام قد تبني على الفرض ، ولأن هذا الصد قد يقع من المسلمين بعضهم لبعض كما يفعله بعض أمراء مكة في عصرنا من منع بعض العرب - كأهل نجد - من الحج لأسباب دنيوية - كأخذ بعض أمراء نجد الزكاة من بعض القبائل الذين يعدهم أمراء مكة تابعين لهم - ويحتمل أن تكون هذه الجملة معطوفة على قوله تعالى « فَاصْطادُوا » داخلة في حيز شرطه ويكون المعنى ان الصيد الذي كان محرما عليكم حال كونكم حرما يحل لكم إذا حللتم وأما الاعتداء على من تبغضونهم فلا يباح لكم وأنتم حل ، كما أنه لا يباح لكم وأنتم حرم ، وان كانوا صدوكم عن المسجد الحرام من قبل . وهذا لا يمنع من الجزاء على الاعتداء بالمثل لأنه نهي عن استئناف الاعتداء على سبيل الانتقام ، فان من يحمله البغض والعداوة على الاعتداء على من يبغضه يكون منتصرا لنفسه لا للحق ، وحينئذ لا يراعي المماثلة ولا يقف عنه حدود العدل ، ولم أر من نبه على هذا ولا من حرر هذا المبحث ، ولكن أجاز بعضهم ان يكون هذا من توجيه النهي إلى المسبب وإرادة السبب ، كقوله « لا أرينك ههنا » فالمراد النهي عن البغض والعداوة وجعلها حاكمة على النفس ، حاملة لها على الاعتداء والبغي ، ولا ينفي هذا ان يكون لكل نوع من أنواع الاعتداء كالصد عن المسجد الحرام جزاء خاص يعرف بدليله لما كان اعتداء قوم على قوم لا يحصل الا بالتعاون قفى على النهي عن الاعتداء بقوله وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ( الْبِرِّ ) التوسع في فعل الخير ، قاله الراغب ، وسيأتي تحقيقه ( وَالتَّقْوى ) اتقاء كل ما يضر صاحبه في دينه أو دنياه فعلا أو تركا ، ( وَالْإِثْمَ ) فسره الراغب بأنه كالأثام اسم للأفعال المبطئة عن الثواب وجمعه آثام ، والآثم متحمل الاثم وفاعله . ثم صار الإثم يطلق على كل ذنب ومعصية . ( والعدوان ) تجاوز حدود الشرع والعرف في المعاملة والخروج عن العدل فيها . وفي الحديث « البر حسن الخلق ، والاثم ما حاك في النفس وكرهت ان يطلع عليه الناس » رواه مسلم وأصحاب السنن عن النواس بن سمعان ( رض ) وروى احمد والدارمي وحسنه النووي في الأربعين عن وابصة بن معبد الجهني « تفسير القرآن » « 17 » « الجزء السادس »