الشيخ محمد رشيد رضا

123

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وفي هذا الحديث بحث آخر وهو انه ورد في مسألة دينية من العبادات وهي المكاتبة والعتق والولاء وسبب الحديث بينته راويته عائشة في الصحيحين قالت « جاءتني بريرة فقالت كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني ، « فقلت إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت » فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها ، فجاءت من عندهم ورسول اللّه ( ص ) جالس فقالت اني قد عرضت عليهم فأبوا الا ان يكون لهم الولاء ، فأخبرت عائشة النبي ( ص ) فقال « خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن اعتق » ففعلت عائشة ثم قام رسول اللّه ( ص ) في الناس فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال « أما بعد فما بال رجال يشترطون » الخ فالواقعة في أمر ديني اشترط فيه شرط مخالف لحكم اللّه فكان لغوا والأمور الدينية موقوفة على النص . وأما الأمور الدنيوية كالبيع والإجارة والشركات وغيرها من المعاملات الدنيوية فالأصل فيها عرف الناس وتراضيهم ما لم يخالف حكم الشرع في تحليل حرام أو تحريم حلال كما تقدم ، ومن أدلة هذا الأصل بعد الآية التي نفسرها وما أيدناها به حديث « أنتم أعلم بأمر دنياكم » رواه مسلم من حديث أنس وعائشة ، وحديث « ما كان من أمر دينكم فإلي وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به » رواه أحمد . لهذا تجد الإمام أحمد أكثر أئمة الفقه تصحيحا للعقود والشروط على أنه أوسعهم رواية للحديث وأشدهم استمساكا به ، فأبو حنيفة يقدم القياس الجلي على حديث الآحاد الصحيح وأحمد يقدم الحديث الضعيف على القياس ومن العقود التي شدد بعض الفقهاء في ابطال شروطها عقد النكاح فترى الذين يجوزون الشروط في البيع وهو من المعاملات الدنيوية الموكولة إلى العرف لا يجوزون الشروط في عقد النكاح ، وقد قال النبي ( ص ) « ان أحق الشروط ان توفوا به ما استحللتم به الفروج » رواه أحمد والشيخان في صحيحيهما وأصحاب السنن عن عقبة بن عامر . وقد جوز أحمد بهذا الحديث ان تشترط المرأة في عقد النكاح أن لا يتزوج عليها وأن لا تنتقل من بلدها أو من الدار ، ويجيز لها فسخ النكاح إذا تزوج عليها وقد اشترطت عليه عدم التزوج عليها كما يجوز لها الفسخ بغير ذلك