الشيخ محمد رشيد رضا

107

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وههنا عبرة يجب تدبرها وهي انني لم أر في سيرة عمر ( رض ) أغرب من هذه المسألة ولا أدل منها على قوة دينه وايمانه بالقرآن وحرصه على بيان كل حكم من الشرع بدليله ، ووقوفه إذا لم تتبين له الحجة ، ولا سيما إذا كان الحكم في القرآن فلا مجال للاجتهاد فيه ، وقد سئل مرة عن الكلالة وهو على المنبر فقال : الكلالة ، الكلالة ، الكلالة ، وأخذ بلحيته ثم قال واللّه لأن اعلمها أحب اليّ مما طلعت عليه الشمس من شيء ، سألت عنها رسول اللّه ( ص ) فقال « ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف » فأعادها ثلاث مرات . رواه ابن جرير . فالظاهر أن صحت الروايات - أن عمر كان يحب ان يبين النبي ( ص ) أحكام الكلالة بالتفصيل فيسأله عن الكلالة سؤالا مطلقا مبهما لا يبين مراده منه فيذكر له ( ص ) ما أنزل اللّه ولا يزيده من اجتهاده شيئا ، فكبرت المسألة في نفسه وصارت إذا ذكرت تهوله وتحدث في نفسه اضطرابا فلا يتجرأ ان يستعمل اجتهاده ورأيه في فهمها . وقد عهد من كثير من العقلاء ما هو أغرب من هذا وهو ان يعجزوا عن تصور بعض الأمور كبعض أرقام الحساب مثلا ويكون تصورهم وادراكهم لكل ما عدا ذلك صحيحا من غير أن يكون هنالك ما تخافه النفس ويضطرب له العصب كالقول في كتاب اللّه تعالى بغير بينة . فهل يعتبر بهذا من يقدمون اجتهادهم أو اجتهاد شيوخهم على ظاهر القرآن أو السنة أو الذين لا يقدمون كتاب اللّه على كل شيء ؟ وجملة القول إن الكلالة من الوارثين من كلّ وأعيا عن أن يصل إلى الميت الموروث بنفسه فهو يصل اليه بواسطة من يتصل نسبه به بالذات ، وانما النسب المتصل بالذات الأصل والفرع ، وما علا من الأصول وسفل من الفروع هو عمود النسب فلا يكون كلالة ، فالكلالة من الوارثين إذا هم الحواشي الذين يدلون إلى الميت بواسطة الأبوين أحدهما أو كليهما من الأطراف . والكلالة من الموروثين هو الذي يرثه غير الولد والوالد ، فهذا ما كان يفهمه الصحابة لأنه المعروف في العربية ولا صحة لغيره ، وما اشتبه بعضهم الا لنفي الولد دون الوالد في هذه الآية ، لأنهم عهدوا أن القرآن خال من العبث واعتقدوا انه منزه عنه في ذكر ما يثبته وترك ما يتركه في معرض الحاجة إلى بيانه ، وهم موقنون بأنهم حفظوا هذا القرآن أكمل حفظ وأتمه