الشيخ محمد رشيد رضا

102

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ 195 بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) فمن تأمل ما قلناه بانصاف ظهر له به على اختصاره ان محمدا النبي الأمي ( ص ) كان نفسه برهانا من اللّه تعالى أي حجة قطعية على حقية دينه ، وان كتابه القرآن العربي انزل من العلم الإلهي عليه ، ولم يكن لعلمه الكسبي ان يأتي بمثله ، وانما أنزل نور مبينا إلى جميع الناس ، ليروا بتدبره حقيقة دين اللّه الذي يسعدون به في حياتهم الدنيا ، وينالون به في الآخرة ما هو خير وأبقى ، ولذلك قال * * * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ الاعتصام الاخذ والتمسك بما يعصم ويحفظ ، مأخوذ من العصام وهو الحبل الذي تشد به القربة والإداوة لتحمل به ، والأعصم الوعل يعتصم في شعاف الجبال وقننها ، فالذين يعتصمون بهذا القرآن يدخلهم اللّه تعالى في رحمة خاصة منه لا يدخل فيها سواهم ، وفضل خاص لا يتفضل به على غيرهم ، ويدل على هذا التخصيص تنكير الفضل والرحمة ، ورحمة اللّه وفضله غير محصورين ولكنه يختص من يشاء بما شاء من أنواعهما . وقد فسرت الرحمة هنا بالجنة ، والفضل بما يزيد اللّه به أهلها على ما يستحقون من الجزاء ، كما قال في آية أخرى تقدمت ( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) ويمكن ان يفسرا بما هو أعم من نعيم الآخرة جزاء وزيادة ، فيشملا ما يكون لأهل الاعتصام بالقرآن الذي هو حبل اللّه المتين من الخصوصية في الدنيا ، إذ يكونون رحمة للناس بعلومهم وأعمالهم وفضائلهم ، واجتماعهم وتعاونهم وتراحمهم ، يرحم الناس بالاقتداء بهم والاقتباس منهم ، ومن ذلك انهم يكونون رحماء للناس ، تحملهم رحمتهم على السعي لخير الناس ، وبذل فضلهم من علم وعمل ومال لهم ، فيكونون أئمة للناس برحمتهم وفضلهم وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي ويهديهم تعالى هداية خاصة موصلة اليه صراطا مستقيما أي طريقا قويما قريبا يبلغون به الغاية من العمل بالقرآن ، أما في الدنيا فبالسيادة والعزة والكمال ، وأما في الآخرة فبالجنة والرضوان ، فهذا الصراط المستقيم ، لا يهتدى اليه الا بالاعتصام بالقرآن الكريم ، فياخسارة المعرضين ، ويا طوبى للمعتصمين ، وقد صدق وعد اللّه للصادقين ، ففاز من اعتصم مر .