الشيخ محمد رشيد رضا
87
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لاختارت الإقامة ، وفضلت فراقه على صحبته ، وبعده على قربه ، ونبزته بلقب العاق ، وادعت انها لم تتعد حدود الرحمة والحنان ، ووافقها الجمهور الجاهل على ذلك لبنائه الاحكام على المسلّمات ، ومنها أن الأولاد هم الذين يؤثرون أهواءهم على بر والديهم ، وان الوالدين لا يختار ان لولدهما الا ما فيه الخير له ، وأنهما يتركان كل حظوظهما ورغائبهما لأجله ، ولا ينكر أحد ان لهذا أصلا صحيحا ولكنه ليس من القضايا الكلية الدائمة ، أما الام فذلك شأنها مع الطفل الا ما تأتي به بوادر الغضب من لطمة خفيفة تسبق بها اليد من غير روية واختيار ، أو دعوة ضعيفة تعد من فلتات اللسان ، ولسان حالها ينشد : أدعو عليه وقلبي * يقول يا رب لا لا فإذا كبر وصار له رأي غير رأيها ، وهوى غير هواها - وذلك ما لا بد منه - تغير شأنها معه ، وهي أشد الناس حبا له ، فلا ترجح رأيه وهواه في كل مسائل الخلاف ، بل لا تعذره أيضا في كل ما يتبع فيه وجدانه ، ويرجح فيه استقلاله ، وأما الأب فهو على فضله وعنايته بأمر ولده أضعف من الام حبا ورحمة وإيثارا ، وأشد استنكارا لاستقلال ولده دونه واستكبارا ، حتى إنه ليقسو عليه ويؤذيه ويشمت به ويحرمه من ماله ويؤثر الأجانب عليه . وأكثر ما يكون ذلك من الأب الغني مع ولده المحتاج إذا خالف هواه « إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى » وإن طغيانه يكون على حسب ما يرى لنفسه من السلطة والفضل والاستعلاء حتى أنه لينتحل لنفسه صفات الربوبية ، ويتسلق بغروره إلى ادعاء الألوهية ، وقد كنت أنكر على أبي الطيب قوله والظلم من شيم النفوس فان تجد * ذا عفة فلعلة لا يظلم وأعده من المبالغة الشعرية حتى كدت بعد إطالة التأمل في أحوال الوالدين مع الأولاد وتدبر ما أحفظ من الوقائع في ذلك أجزم بأن قوله هذا صحيح مطرد . فكم رأينا من غني قد انغمس في الترف والنعيم ، وأفاض من فضل ماله على المستحقين وغير المستحقين ، وله من الولد من يعيش في البؤس والضنك ، ولا يناله من والده لماج ولا مجاج من ذلك الرزق ، لأنه لم يرض ان يكون منه كعبد الرق ، إنما أطلت في هذا لأن الناس غافلون عنه فهم يظنون أن وصايا الدين حجة على أن للوالدين ان يعبثا باستقلال الولد ما شاء هواهما ، وانه ليس للولد أن يخالف