الشيخ محمد رشيد رضا
80
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حتى أن كل واحد منهما يؤاخذ الآخر على دقائق خطرات الحب ، وخفايا خلجات القلب ، يستشفها من وراء الحجب ، أو توحيها اليه حركات الأجفان ، أو يستنبطها من فلتات اللسان ، إذا لم تصرح بها شواهد الامتحان ، فهما يتغايران في اخفى ما يشتركان فيه ، ويكتفيان بشهادة الظنة والوهم عليه ، فيغريهما ذلك بالتنازع في كل ما يقصر فيه أحدهما ، من الأمور المشتركة بينهما ، وما أكثرها ، وأعسر التوقي منها ، فكثيرا ما يفضي التنازع ، إلى التقاطع ، والتغاير إلى التدابر ، فان تعاتبا فجدل ومراء ، لا استعتاب واسترضاء ، حتى يحل الكره والبغضاء ، محل الحب والهناء ، لذلك يصح لك أن تحكم إن كنت عليما بالأخلاق والطباع ، خبيرا بشؤون الاجتماع ، بأن تلك الحكمة التي أرسلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، ( رضي اللّه عنه ) هي القاعدة الثابتة الصحيحة في جميع الأمم وجميع الأعصار ، وانها يجب أن تكون في محل الذكرى من الحكمين ، اللذين يريدان إصلاح ما بين الزوجين ، كما يجب ان يعرفها ولا ينساها جميع الأزواج - تلك الحكمة هي قوله للتي صرحت بأنها لا تحب زوجها : إذا كانت أحدا كن لا تحب أحدنا فلا تخبره بذلك فان أقل البيوت ما بني على المحبة وإنما يعيش ( أو قال يتعاشر ) الناس بالحسب والاسلام . اي إن حسب كل من الزوجين وشرفه انما يحفظ بحسن عشرته للآخر وكذلك الاسلام يأمرهما بأن يتعاشرا بالمعروف ( راجع تفسير فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) قد اهتدى الإفرنج إلى العمل بهذه الحكمة البالغة بعد ان استبحر علم النفس والاخلاق وتدبير المنزل عندهم فربوا نساءهم ورجالهم على احترام رابطة الزوجية وعلى أن يجتهد كل من الزوجين ان يعيشا بالمحبة فإن لم يسعدا بها فليعيشا بالحسب وهو تكريم كل منهما للآخر ومراعاته لشرفه وقيامه بما يجب له من الآداب والاعمال التي جرى عليها عرف أمتهم . ثم يعذره فيما وراء ذلك وان علم أنه لا يحبه فلا يذكر له ذلك ، وقد صرحوا بان سعادة المحبة الزوجية الخالصة قلما تمتع بها زوجان وان كانت أمنية كل الأزواج ، وانما يستبدلون بها المودّة العملية . ولكنهم بإباحة المخالطة والتبرج قد أفرطوا في إرخاء العنان ، حتى صار الأزواج يتسامحون في السفاح أو اتخاذ الاخدان ، وهذا ما يعصم مجموع أمتنا منه الاسلام ،