الشيخ محمد رشيد رضا
78
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الخصم والحكم * ويطلق على الشيخ المسن لان من شأنه ان يتحاكم اليه لرويته وتجربته ، والمراد ببعثهما إرسالهما إلى الزوجين لينظرا في شكوى كل منهما ، ويتعرفا ما يرجى أن يصلح بينهما ، ويسترضوهما بالتحكيم ، وإعطائهما حق الجمع والتفريق ، روى الشافعي في الأم والبيهقي في السنن وغيرهما عن عبيدة السلماني قال جاء رجل وامرأة إلى علي كرم اللّه تعالى وجهه ومع كل واحد منهما فئام « 1 » من الناس ، فأمرهم علي أن يبعثوا رجلا حكما من أهله ورجلا حكما من أهلها ثم قال للحكمين « تدريان ما عليكما ؟ عليكما ان رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما ان تفرقا أن تفرقا » قالت المرأة رضيت كتاب اللّه تعالى بما علي به ولي ، وقال الرجل أما الفرقة فلا . فقال عليّ كذبت واللّه حتى تقر بمثل الذي أقرت به . وروى ابن جرير عن ابن عباس ( رض ) أنه قال في هذه الآية هذا في الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما أمر اللّه تعالى ان يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل ورجلا مثله من أهل المرأة فينظران أيهما المسئ فإن كان الرجل هو المسئ حجبوا عنه امرأته وقسروه على النفقة ، وان كانت المرأة هي المسيئة قسروها على زوجها ومنعوها النفقة فان اجتمع أمرهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز ، فان رأيا ان يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما فان الذي رضي يرث الذي كره ولا يرث الكره الراضي . وأكثر فقهاء المذاهب المعروفة لا يقولون بقولي هذين الامامين الصحابيين فيما هو حق للحكمين والمسألة اجتهادية عندهم والمجتهد لا يقلد مجتهدا آخر ، والنص انما هو في وجوب بعث الحكمين ، ليجتهدا في اصلاح ذات البين ، وهل هما قاضيان ينفذ حكمها بكل حال ، أم وكيلان ليس لهما الا ما وكلهما الزوجان به ؟ المسألة خلافية والظاهر الأول لان الحكم في اللغة هو الحاكم الأستاذ الامام : الخطاب للمؤمنين ولا يتأتى ان يكلف كل واحد أو كل جماعة منهم ذلك ولذلك قال بعض المفسرين ان الخطاب هنا موجه إلى من يمكنه القيام بهذا العمل ممن يمثل المسلمين وهم الحكام ، وقال بعضهم ان الخطاب عام ويدخل فيه الزوجان وأقاربهما فان قام به الزوجان أو ذوو القربى أو الجيران فذاك والا وجب على من بلغه أمرهما من المسلمين ان يسعى في إصلاح ذات بينهما بذلك .
--> ( 1 ) الفئام بالكسر الجماعة من الناس