الشيخ محمد رشيد رضا

76

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يطلب منتهى الاتحاد بمن انزلها منزلة الإماء ، فالحديث أبلغ ما يمكن ان يقال في تشنيع ضرب النساء ، واذكر انني هديت إلى معناه العالي قبل ان اطلع على لفظه الشريف ، فكنت كلما سمعت ان رجلا ضرب امرأته أقول يا للّه العجب كيف يستطيع الانسان ان يعيش عيشة الأزواج مع امرأة تضرب ، تارة يسطو عليها بالضرب ، فتكون منه كالشاة من الذئب ، وتارة يذل لها كالعبد ، طالبا منتهى القرب ! ! ، ولكن لا ننكر ان الناس متفاوتون فمنهم من لا تطيب له هذه الحياة فإذا لم تقدر امرأته بسوء تربيتها تكريمه إياها حق قدره ولم ترجع عن نشوزها بالوعظ والهجران ، فارقها بمعروف وسرحها باحسان ، الا ان يرجو صلاحها بالتحكيم الذي أرشدت اليه الآية ، ولا يضرب فان الأخيار لا يضربون النساء وان أبيح لهم ذلك للضرورة فقد روى البيهقي من حديث أم كلثوم بنت الصديق ( رض ) قالت كان الرجال نهوا عن ضرب النساء ثم شكوهن إلى رسول اللّه ( ص ) فخلى بينهم وبين ضربهن ثم قال « ولن يضرب خياركم » فما أشبه هذه الرخصة بالحظر ، وجملة القول إن الضرب علاج مر ، قد يستغنى عنه الخيّر الحر ، ولكنه لا يزول من البيوت بكل حال ، أو يعم التهذيب النساء والرجال ، هذا وان أكثر الفقهاء قد خصوا النشوز الشرعي الذي يبيح الضرب ان احتيج اليه لازالته بخصال قليلة كعصيان الرجل في الفراش والخروج من الدار بدون عذر وجعل بعضهم تركها الزينة وهو يطلبها نشوزا وقالوا : له ان يضربها أيضا على ترك الفرائض الدينية كالغسل والصلاة ، والظاهر أن النشوز أعم فيشمل كل عصيان سببه الترفع والإباء ويفيد هذا قوله فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا قال الأستاذ الامام أي ان أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية فلا تبغوا بتجاوزها إلى غيرها فابدأوا بما بدأ اللّه به من الوعظ فإن لم يفد فليهجر فإن لم يفد فليضرب ، فإذا لم يفد هذا أيضا يلجأ إلى التحكيم ، ويفهم من هذا أن القانتات لا سبيل عليهن حتى في الوعظ والنصح فضلا عن الهجر والضرب ، وأقول صرح كثير من المفسرين بوجوب هذا الترتيب في التأديب ، وان كان العطف بالواو لا يفيد الترتيب ، قال بعضهم دل على ذلك السياق والقرينة العقلية إذ لو عكس كان استغناء بالأشد عن الأضعف فلا يكون لهذا فائدة ، وقال بعضهم الترتيب مستفاد