الشيخ محمد رشيد رضا
71
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها » وقرأ ( ص ) الآية . وقال الأستاذ الامام الغيب هنا هو ما يستحى من إظهاره أي حافظات لكل ما هو خاصّ بأمور الزوجية الخاصة بالزوجين فلا يطلع أحد منهن على شيء مما هو خاصّ بالزوج أقول ويدخل في قوله هذا وجوب كتمان كل ما يكون بينهن وبين أزواجهن في الخلوة ولا سيما حديث الرفث فما بالك بحفظ العرض . وعندي ان هذه العبارة هي أبلغ ما في القرآن من دقائق كنايات النزاهة ، تقرأها خرائد العذارى جهرا ، ويفهمن ما تومئ اليه مما يكون سرا ، وهنّ على بعد من خطرات الخجل أن تمس وجدانهن الرقيق بأطراف أناملها ، فلقلوبهن الأمان من تلك الخلجات ، التي تدفع الدم إلى الوجنات ، ناهيك بوصل حفظ الغيب « بِما حَفِظَ اللَّهُ » فالانتقال السريع من ذكر ذلك الغيب الخفي ، إلى ذكر اللّه الجلي ، يصرف النفس عن التمادي في التفكر فيما يكون وراء الاستار ، من تلك الخفايا والاسرار ، وتشغلها بمراقبته عز وجل . وفسروا قوله تعالى « بِما حَفِظَ اللَّهُ » بما حفظه لهن في مهورهن وايجاب النفقة لهن ، يريدون أنهن يحفظن حق الرجال في غيبتهم جزاء على المهر ووجوب النفقة المحفوظين لهنّ في حكم اللّه تعالى ، وما أراك الا ذاهبا معي إلى وهن هذا القول وهزاله ، وتكريم أولئك الصالحات بشهادة اللّه تعالى أن يكون حفظهن لذلك الغيب من يد تلمس ، أو عين تبصر ، أو أذن تسترق السمع ، معللا بدراهم قبضن ، ولقيمات يرتقبن ، ولعلك بعد ان تمجّ هذا القول يقبل ذوقك ما قبله ذوقي وهو أن الباء في قوله « بِما حَفِظَ اللَّهُ » هي صنوباء لا حول ولا قوة الا بالله وأن المعنى حافظات للغيب بحفظ اللّه أي بالحفظ الذي يؤتيهن اللّه إياه بصلاحهن فان الصالحة يكون لها من مراقبة اللّه تعالى وتقواه ما يجعلها محفوظة من الخيانة ، قوية على حفظ الأمانة ، أو حافظات له بسبب أمر اللّه بحفظه ، فهن يطعنه ويعصين الهوى ، فعسى أن يصل معني هذه الآية إلى نساء عصرنا اللواتي يتفكهن بافشاء أسرار الزوجية ولا يحفظن الغيب فيها ! الأستاذ الامام : ان هذا القسم من النساء ليس للرجال عليهن شيء من سلطان التأديب وانما سلطانهم على القسم الثاني الذي بينه وبين حكمه بقوله