الشيخ محمد رشيد رضا
54
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وفرجه وسائر جوارحه ثم ينظر في جميع أيامه وساعاته ويفصل عند نفسه ديوان معاصيه حتى يطلع على جميعها صغائرها وكبائرها ثم ينظر فيها فما كان من ذلك بينه وبين اللّه تعالى من حيث لا يتعلق بمظلمة العباد كنظر إلى غير محرم وقعود في مسجد مع الجناية ومس مصحف بغير وضوء واعتقاد بدعة وشرب خمر وسماع ملاه وغير ذلك مما لا يتعلق بمظالم العباد فالتوبة عنها بالندم والتحسر عليها وبأن يحسب مقدارها من حيث الكبر ومن حيث المدة ويطلب لكل معصية منها حسنة تناسبها فيأتي من الحسنات بمقدار تلك السيئات اخذا من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « اتق اللّه حيث كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها « * » بل من قوله تعالى ( 11 : 113 إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) فيكفر سماع الملاهي سماع القرآن وبمجالس الذكر ويكفر القعود في المسجد جنبا بالاعتكاف فيه مع الاشتغال بالعبادة ويكفر مس المصحف محدثا باكرام المصحف وكثرة قراءة القرآن منه وكثرة تقبيله وبأن يكتب مصحفا ويجعله وقفا . ويكفر شرب الخمر بالتصدق بشراب حلال هو أطيب منه وأحب اليه . وعد جميع المعاصي غير ممكن وانما المقصود سلوك الطريق المضادة فان المرض يعالج بضده فكل ظلمة ارتفعت إلي القلب لا يمحوها الا نور يرتفع إليها بحسنة تضادها والمتضادات هي المتناسبات فلذلك ينبغي ان تمحي كل سيئة بحسنة من جنسها لكن تضادها فان البياض يزال بالسواد لا بالحرارة والبرودة . وهذا التدريج والتحقيق من التلطف في طريقة المحو فالرجاء فيه أصدق والثقة به أكثر من أن يواظب على نوع واحد من العبادات وان كان ذلك أيضا مؤثرا في المحو . « فهذا حكم ما بينه وبين اللّه تعالي . ويدل على أن الشيء يكفر بضده أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وأثر اتباع الدنيا في القلب السرور بها والحنين إليها فلا جرم كان كل أذى يصيب المسلم ينبو بسببه قلبه عن الدنيا يكون كفارة له إذ القلب يتجافى بالهموم والغموم عن دار الهموم . قال ( ص ) « من الذنوب ذنوب لا يكفرها الا الهموم » وفي لفظ آخر « الا الهم بطلب المعيشة » اه المراد هنا وله في هذا المنحى كلام كثير في مواضع متفرقة فعلم من ذلك ان تكفير
--> ( * ) رواه الترمذي وصححه وله تتمة