الشيخ محمد رشيد رضا

50

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بين القول بأن جميع المعاصي كبائر والقول بأن منها صغائر مبهمة غير معينة فهي لا تعلم وقد أطال ابن حجر البحث في ذلك فليراجع كتابه الزواجر من شاء الأستاذ الامام : ان الذين قسموا المعصية إلى صغيرة وكبيرة وأرادوا بالسيئات الصغائر لم يفهموا الآية وقد قال اللّه تعالى ( 45 : 20 أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ؟ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) فجعل أهل السيئات في مقابلة المؤمنين فهم المشركون والكافرون المفسدون ، وقال ( 4 : 17 وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ) الآية وما العهد بتفسيرها ببعيد ولا يمكن حمل السيئات فيها على الصغائر . والصواب ان في كل سيئة وفي كل نهي خاطبنا اللّه تعالى به كبيرة أو كبائر وصغيرة أو صغائر وأكبر الكبائر في كل ذنب عدم المبالاة بالنهي والامر واحترام التكليف ومنه الاصرار فان المصر على الذنب لا يكون محترما ولا مباليا بالامر والنهي فاللّه تعالى يقول إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ أي الكبائر التي يتضمنها كل شيء تنهون عنه نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي نكفر عنكم صغيره فلا نؤاخذكم عليه فإضافة السيئات إلى ضمير المخاطبين يدل على ما قاله جمهور الأشاعرة من أنه لا كبيرة بمعنى ان بعض السيئات يكون كبيرة مطلقا على الدوام وان فعل بجهالة عارضة وعدم استهانة ، ولا صغيرة مطلقا وان فعلت لعدم الاكتراث بالنهي وأصر الفاعل عليها . ويدل على هذا ما قاله ابن عباس ( رض ) حين قيل له الكبائر سبع فقال هي إلى السبع مئة أقرب ولا صغيرة مع اصرار ولا كبيرة مع استغفار ، أي مع توبة فكل ذنب يرتكب لعارض يعرض على النفس من استشاطة غضب أو غلبة جبن أو ثورة شهوة وصاحبه متمكن من الدين يخاف اللّه ولا يستحل محارمه فهو من السيئات التي يكفرها اللّه تعالى إذا كان لولا ذلك العارض القاهر للنفس لم يكن ليجترحه تهاونا بالدين ، وكان بعد اجتراحه إياه حال كونه مغلوبا على أمره يندم ويتألم ويتوب ويرجع إلى اللّه عز وجل ويعزم على عدم العودة إلى اقتراف مثله ، فهو بعدم اصراره وباستقرار هيبة اللّه وخوفه في نفسه ، يكون أهلا لان يتوب اللّه عليه ويكفر عنه ، وكل ذنب