الشيخ محمد رشيد رضا

48

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أكبر الكبائر من أو بقه إذا أهلكه أو ذلله . ويقابل الموبق ما يضر ضررا قليلا وما حرم الاسلام شيئا الا لضرره في الدين أو النفس أو العقل أو المال أو العرض وكيف ينكر أحد انقسام الذنوب إلى كبائر وغير كبائر وقد صرح بذلك القرآن في غير هذا الموضع وهو من ذاته بديهي كما قال الغزالي فان المنهيات أنواع لها أفراد تتفاوت في أنفسها وفي الداعية النفسية التي تسوق إليها قال تعالى بعد ذكر جزاء المسيئين والمحسنين في سورة النجم ( 53 : 32 الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ) والفواحش معطوفة على الكبائر وهي ما فحش من الفعائل القبيحة ، وهذه الآية تناسب الآية التي نفسرها في معناها بذاتها وموقعها مما قبلها فقد عبر في كل منهما باجتناب الكبائر وجعل جزاء هذا الاجتناب تكفير ما دون الكبائر والفواحش وغفرانه ، ولكنه عبر عن مقابل الكبائر هنا بالسيئات وهو لفظ يشمل الصغائر والكبائر كما علم من استعماله في عدة مواضع من القرآن ، وعبر في سورة النجم باللمم ، وفسروا اللمم بما قلّ وصغر من الذنوب ، كما فسروا السيئات هنا بالصغائر وما أخذوا ذلك الا من المقابلة كما تقدم ، وقد يكون اللمم بمعنى مقاربة الكبيرة أو الفاحشة باتيان بعض مقدماتها مع اجتناب اقترافها من ألمّت النخلة إذا قاربت الارطاب وألمّ الغلام إذا قارب البلوغ ، وسيأتي من كلام الغزالي في تكفير الذنوب ما يوضحه بالأمثلة . ومن التناسب المتعلق بالسياق انه علل في سورة النجم مغفرة اللمم بعلم اللّه تعالى بحال الانسان في خروجه من مواد الأرض الميتة تكون غذاء فدما فمنيا يلقح البيوض في رحم الام ، وعلمه بحاله بعد هذا التلقيح إذ يكون جنينا في بطن أمه لا يقدر على شيء فقصاراه ان الانسان ضعيف كما قال في أخرى ( خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ) وقد تقدم الآية التي نفسرها تعليل التخفيف عن المكلفين بقوله تعالى ( وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ) ومما ورد صريحا في تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر قوله تعالى ( 18 : 50 وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ