الشيخ محمد رشيد رضا
3
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في هاتين الآيتين بيان بقية ما يحرم من نكاح النساء وحل ما عداه وحكم نكاح الإماء وما فصلناهما عما قبلهما الا لأن من قسموا القرآن إلى ثلاثين جزءا جعلوهما في أول الجزء الخامس وقد راعوا في هذا التقسيم المقادير من اللفظ دون المعنى وكان المناسب للمعنى أن يجعلوا أول الجزء الخامس قوله تعالى « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ » كما هو ظاهر * * * فقوله تعالى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عطف على ما قبله من المحرمات أي وحرمت عليكم المحصنات من النساء ان تنكحوهن . والمحصنات جمع محصنة بفتح الصاد اسم مفعول من « أحصن » عند جميع القراء وروي عن الكسائي كسرها في غير هذا الموضع فقط وقيل لا يصح الفتح عنه . والإحصان من الحصن وهو المكان المنيع المحمي ففيه معنى المنع الشديد ويقال حصنت المرأة ( بضم الصاد ) حصنا وحصانة اي عفّت فهي حاصن وحاصنة وحصان وحصناء ( بالفتح فيهما ) قال الشاعر : حصان رزان ما تزنّ بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ويقال أحصنت المرأة إذا تزوجت لأنها تكون في حصن الرجل وحمايته ويقال احصنها أهلها إذا زوجوها . ومن شأن المتزوجة أن تحصن نفسها فتكتفي بزوجها عن التطلع إلى الرجال لأجل حاجة الطبيعة وتحصن زوجها عن التطلع إلى غيرها من النساء فعلى المرأة المعوّل في الإحصان حتى قيل إن لفظ المحصنة ( بفتح الصاد ) اسم فاعل نطقت به العرب على خلاف عادتها فقد روي عن ابن الاعرابي أنه قال « كل أفعل اسم فاعله بالكسر الا ثلاثة أحرف : أحصن ، وألفج إذا ذهب ماله ، واسهب إذا كثر كلامه » وروي مثله عن الأزهري . وعن ثعلب ان المرأة العفيفة يقال لها محصنة ( بفتح الصاد ) ومحصنة ( بكسرها ) وأما المرأة المتزوجة فيقال لها محصنة بالفتح لا غير . وجماهير السلف والخلف ومنهم أئمة الفقه المشهورون على أن المراد بالمحصنات ههنا المتزوجات وقيل هن الحرائر وقيل عام في الحرائر والعفائف والمتزوجات . وقد يقال هن الحرائر المتزوجات وسيأتي عن الأستاذ الامام ما يرجحه . ولما ذا قال « مِنَ النِّساءِ » وصيغة الجمع مغنية عن هذا القيد ؟ قال بعضهم النكتة في ذلك تأكيد العموم ولم ير قوله كافيا وافيا وصرح بعضهم بغموض