الشيخ محمد رشيد رضا
476
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تعالى وبنعمه عليهم في الآفاق وفي أنفسهم تفسد فطرتهم ، وتتدنس أرواحهم ، فتهبط بهم في دركات الهاوية ويكونون هم الجانين على أنفسهم . . ولو شكروا وآمنوا فطهرت أرواحهم من دنس الشرك والوثنية ، وظهرت آثار عقولهم وسائر قواهم بالأعمال الصالحة المصلحة لمعاشهم ومعادهم ، لعرجت بهم تلك الأرواح القدسية إلى المقام الكريم ، والرضوان الكبير في دار النعيم ، وقدم الشكر هنا على الايمان لان معرفة النعم والشكر عليها طريق إلى معرفة المنعم والايمان به وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً يثيب المؤمنين الشاكرين الصالحين المصلحين على حسب علمه بحالهم ، لا انه يعذبهم ، بل يعطيهم أكثر مما يستحقون على شكرهم وايمانهم ، قال عز وجل ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) سمى ثباتهم على الشكر شكرا ، وهم انما يحسنون بشكره إلى أنفسهم ، وهو غني عنهم وعن شكرهم وايمانهم ، ولكن قضت حكمته ، ومضت سنته ، بأن يكون للايمان الصحيح والأعمال الصالحة أثر صالح في النفس ، يترتب عليه الجزاء الحسن والعكس بالعكس ، فنسأله تعالى ان يجعلنا من المؤمنين الشاكرين ، وان يشكر لنا ذلك في الدارين ، والحمد للّه رب العالمين تم الجزء الخامس من التفسير وقد نشر في المجلد الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من المنار . بدأت بكتابة هذا الجزء وانا في القسطنطينية سنة 1328 ففاتني تصحيح ما طبع منه في أثناء رحلتي تلك . وأتممته في أثناء رحلتي هذا العام ( 1330 ) إلى الهند فمنه ما كتبته في البحر وما كتبته في المدن والطرق بالهند ، ومنه ما كتبته في مسقط والكويت والعراق ، وقد أتممته في المحجر الصحي بين جلب وحماه في أوائل شعبان سنة ثلاثين وثلاث مئة والف ، ونشر آخره في جزء المنار الذي صدر في آخر رمضان ، ولم أقف على تصحيح شيء مما كتبته في أثناء هذه الرحلة أيضا . وفي أثناء هذا الجزء انتهت دروس الأستاذ الامام عليه الرحمة والرضوان . وسنسير في تتمة التفسير ان شاء اللّه على الطريقة التي أخذناها عنه ونهتدي بهديه فيها ان شاء اللّه تعالى وباللّه التوفيق