الشيخ محمد رشيد رضا
469
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
شأنه لا يبعد أن تصدر عنه مخادعة اللّه تعالى كما يفعل الذين يحتالون على منع الزكاة واكل الربا بتطبيق حيلهم على أقوال لفقهائهم وهم يعلمون ان هذا مخالف لمراد اللّه تعالى من ايجاب الزكاة ومنع الربا وهو الرحمة بالفقراء والمساكين ومواساتهم وإعانة سائر أصناف المستحقين للزكاة على الايمان والبر والخير ، وعدم أكل أموال الناس بالباطل . أقول : ان مثل هذا قد يقع من أهل الايمان التقليدي غير المطابق للحق ولكنهم لا يقصدون به مخادعة اللّه تعالى قصدا وانما هو جهل وضلال في معنى المخادعة والوجه المعقول للتعبير عن مخادعة الرسول والمؤمنين بمخادعة اللّه عز وجل هو أنهم يخادعونهم فيما يقيمون به دين اللّه ويعملون بما أنزل إليهم منه لا في المعاملات الشخصية الدنيوية كالبيع والشراء والمعاشرة فان المخادعة في مثل هذا قد تكون مباحة أو مكروهة إذا لم يكن فيها غش ولا ضرر والمحرم منها لضرره لا يصل إلى درجة المخادعة في شؤون الايمان وتبليغ دين اللّه وإقامة كتابه فيكون من قبيل المخادعة له ، وهذا الوجه يتضمن أيضا تعظيم شأن الرسول والمؤمنين في التعبير عن مخادعتهم بمخادعة اللّه تبارك وتعالى وأما قوله تعالى « وَهُوَ خادِعُهُمْ » فقد قيل إن معناه يجازيهم على خداعهم وانه عبر عن ذلك بالمخادعة للمشاكلة كما قال في آية أخرى « وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ » وانما جعلوه من المشاكلة لان هذا اللفظ كلفظ المكر قد استعمل في التعبير عن المعاني المذمومة التي تتضمن الكذب غالبا أو تدل على ضعف صاحبها وعجزه وغلب ذلك فيه والا فان الخداع قد يكون في الخير ، ولأجل حماية الحقيقة وإقامة الحق ، وقد أباح الشرع الخداع في الحرب لان الحرب في الاسلام لا تكون الا للدفاع عن الملة والأمة ، ولحماية الدعوة ، وفي الحديث « الحرب خدعة » فيجوز أن يعبر عن سنة اللّه تعالى في عاقبة أمرهم عاجلها وآجلها من حيث إنها تكون على خلاف ما يحبون وما يريدون بلفظ مشتق من الخديعة كأنهم بخداعهم للرسول والمؤمنين يسيرون في طريق خادع يضلون فيه مطلبهم وينتهون إلى الخزي والنكال ، من حيث يطلبون السلامة والفلاح ، وهذا يلاقي قوله تعالى في سورة