الشيخ محمد رشيد رضا
466
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الْمُؤْمِنِينَ » المقيد بقوله عز وجل « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ » وإنما نصر اللّه أن يقصد بالحرب حماية الحق وتأييده واعلاء كلمته ابتغاء مرضاة اللّه ومثوبته ، وآيته مراعاة سنن اللّه في أخذ أهبته ، وإعداد عدته ، التي ارشد إليها كتابه العزيز في مثل قوله « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ » وقوله إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقد بينا غير مرة كون الايمان نفسه من أسباب النصر ، وأنه يقتضي الاستعداد وأخذ الحذر ، وانما غلب المسلمون في هذه القرون الأخيرة وفتح الكفار بلادهم التي فتحوها هم من قبل بقوة الايمان ، وما يقتضيه من الاعمال ، لأنهم ما عادوا يقاتلون لإعلاء كلمة اللّه وتأييد الحق ونشر الاسلام ، ولا عادوا يعدون ما استطاعوا من قوة كما أمرهم القرآن ، فهم يستطيعون ان ينشئوا البوارج المدرعة ، والمدافع المدمرة ، ويتعلموا ما يلزم لها وللحرب من العلوم الرياضية والطبيعية والميكانيكية ، وهي فرض عليهم ، بمقتضى قواعد دينهم ، لان ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب ، وقد تركوا كل ذلك بل صار أدعياء العلم فيهم ، يحرمون ذلك عليهم ، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ اي يحكم بين المؤمنين الصادقين والمنافقين الذين يظهرون الايمان ويبطنون الكفر فهنالك لا تروج دعواهم التي يدعونها عند النصر والفتح انهم منكم وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا اي ان الكافرين لا يكون لهم من حيث هم كافرون سبيلا ما على المؤمنين من حيث هم مؤمنون يقومون بحقوق الايمان ويتبعون هديه ، وكلمة « سبيل » هنا نكرة في سياق النفي تفيد العموم وقد أخطأ من خصها بالحجة ، وسبب هذا التخصيص عدم فهم ما قررناه آنفا من كون النصر مضمونا بوعد اللّه وسنته للمؤمنين بشرطه الذي أشرنا اليه . وقال بعضهم ان هذا خاص بالآخرة . والصواب انه عام فلا سبيل للكافرين على المؤمنين مطلقا وما غلب الكافرون المسلمين في الحروب والسياسة وأسبابها العلمية والعملية من حيث هم كافرون بل من حيث إنهم صاروا