الشيخ محمد رشيد رضا
463
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الْمُؤْمِنِينَ أي الذين يتخذون الكافرين المعادين للمؤمنين أولياء وأنصارا متجاوزين ولاية المؤمنين وتاركيها إلى ولايتهم وممالأتهم عليهم لاعتقادهم ان الدولة ستكون لهم فيجعلون لهم يدا عندهم أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ استفهام تقريع وتوبيخ . ان كانوا يبتغون عندهم العزة وهي المنعة والغلبة ورفعة القدر فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً فهو يؤتيها من يشاء فكان عليهم ان يطلبوها منه بصدق الايمان والسير على سنته تعالى واتباع هداية وحيه الذي يرشدهم إلى طرقها ، ويبين أسبابها ، وقد آتاها اللّه نبيه والمؤمنين باهتدائهم بكتابه ، وسيرهم على سننه ، ولما اعرض المسلمون عن هذه الهداية التي اعتز بها سلفهم ذلوا وساءت حالهم وصار فيهم منافقون يوالون الكفار دونهم يبتغون عندهم العزة والشرف وما هم لهما بمدركين ، فعسى اللّه ان يوفق المسلمين إلى الرجوع إلى تلك الهداية فيعودوا إلى حظيرة « وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ » * * * وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ قالوا الخطاب عام لجميع من كان يظهر الايمان من صادق ومنافق . والذي نزله عليهم في الكتاب هو قوله تعالى في سورة الأنعام التي نزلت قبل هذه السورة - لأنها مكية وهذه السورة مدنية - « وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ » نزلت هذه في مشركي مكة إذ كانوا يخوضون في الكفر وذم الاسلام والاستهزاء بالقرآن ، وكان بعض المسلمون يجلسون معهم في هذه الحال ولا يستطيعون الانكار عليهم لضعفهم وقوة المشركين ، فأمروا بالاعراض عنهم ، وعدم الجلوس إليهم في هذه الحال . ثم إن يهود المدينة كانوا يفعلون فعل مشركي مكة وكان المنافقون يجلسون معهم ويستمعون لهم فنهى اللّه المؤمنين على الاطلاق عن ذلك . ومجموع الآيتين يدل على أن بعض ما كان يخاطب به النبي ( ص ) يراد به أمته ومعنى « سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها » سمعتم الكلام الذي موضوعه جعل الآيات في موضع السخرية والاستهزاء الذي يراد به التحقير والتنفير ، بمجرد السفه وقول الزور ، ويدخل في هذه الآية كل محدث في الدين وكل مبتدع كما روي عن