الشيخ محمد رشيد رضا

459

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ روى الثعلبي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عبد اللّه بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وسلام ابن أخت عبد اللّه بن سلام وسلمة ابن أخيه ويامين بن يامين إذ أتوا رسول اللّه ( ص ) فقالوا : يا رسول اللّه إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزيز ونكفر بما سواه ( أي سوى ما ذكر ) من الكتب والرسل ، فقال « بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله » فقالوا لا نفعل ، فنزلت قال فآمنوا كلهم ( وهم من اليهود ) وروي عن الضحاك أيضا أنها نزلت في أهل الكتاب ، وجمهور المفسرين على أن الخطاب فيها للمؤمنين كافة أمرهم اللّه ان يجمعوا بين الايمان به وبرسوله الأعظم خاتم النبيين والقرآن الذي نزله عليه وبين الايمان بجنس الكتب التي نزلها على رسله من قبل بعثة خاتم النبيين بأن يعلموا ان اللّه قد بعث قبله رسلا ، وانزل عليهم كتبا ، وانه لم يترك عباده في الزمن الماضي سدى ، محرومين من البينات والهدى ، ولا يقتضي ذلك ان يعرفوا أعيان تلك الكتب ولا أن تكون موجودة ، ولا أن يكون الموجود منها صحيحا غير محرف ، وإذا كان المتبادر من الآية هو الامر بالجمع بين الايمان بالنبي الخاتم والكتاب الآخر ، وبين ما قبله - كما قلنا - فلا حاجة إلى جعل « آمنوا » بمعنى اثبتوا وداوموا على الايمان بذلك كما قالوا ، فليس المقام مقام الامر بالمواظبة والمداومة ، سواء أصح ما ورد في سبب النزول أم لم يصح ولما أمر بالايمان بكل ما ذكر توعد على الكفر بأي شيء منه فقال وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً فالايمان باللّه هو الركن الأول والايمان بجنس الملائكة الذين يحملون الوحي إلى الرسل هو الركن الثاني ، والايمان بجنس الكتب التي نزل بها الملائكة على الرسل هو الركن الثالث ، والايمان بجنس الرسل الذين بلغتهم الملائكة تلك الكتب فبلغوها الناس هو الركن الرابع ، والايمان باليوم الآخر - الذي يجزى فيه المكلفون على عملهم