الشيخ محمد رشيد رضا

455

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ . وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً قد علم مما سبق مكان هذه الآيات وما بعدها إلى آخر السورة مما قبلها وهي احكام عامة في الايمان والعمل وأحوال المنافقين وأهل الكتاب في ذلك . فأما قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ الخ فهو يتصل بما قبله من الآيات القريبة خاصة بما فيه من الأمر العام بالقسط بعد الأمر بالقسط في اليتامى والنساء ، فهنالك خص اليتامى والنساء في سياق الاستفتاء فيهن ، ولأن حقهن آكد ، وظلمهن معهود ، وههنا عمم الأمر بالقسط لأن العدل حفاظ النظام ، وقوام امر الاجتماع ، وبما فيه من الشهادة للّه بالحق ولو على النفس أو الوالدين والأقربين وعدم محاباة أحد في ذلك لغناه ، أو مراعاته لفقره ، لأن العدل والحق مقدمان على الحقوق الشخصية وحقوق القرابة وغيرها . وكانت محاباة الأقربين معهودة في الجاهلية ، لأن أمرهم قائم بالعصبية ، فالواحد منهم كان ينصر قومه وأهل عصبيته لأنه يعتز بهم ، كما يظلم النساء واليتامى لضعفهن ، وعدم الاعتزاز بهن ، فحظر اللّه محاباة المرء نفسه أو أهله هنا وإعطاءهم ما ليس لهم من الحق ، يقابل حظر ظلم النساء واليتامى هناك وهضم ما لهن من الحق . روى ابن المنذر من طريق ابن جريح عن مولى لابن عباس قال لما قدم النبي ( ص ) المدينة كانت البقرة أول سورة نزلت ثم اردفتها سورة النساء قال فكان الرجل تكون عنده الشهادة قبل ابنه أو ابن عمه أو ذوي رحمه فيلوي بها لسانه أو يكتمها مما يرى من عسرته حتى يوسر فيقضي فنزلت « كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ » فتأمل كيف بقي تأثير المحاباة فيهم بعد الاسلام حتى نزلت الآية القوامون بالقسط هم الذين يقيمون العدل بالإتيان به على أتم الوجوه وأكملها وأدومها فان « قَوَّامِينَ » جمع قوّام وهو المبالغ في القيام بالشيء ، والقيام بالشيء