الشيخ محمد رشيد رضا
448
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً اي وان تحسنوا العشرة فيما بينكم فتتراحموا وتتعاطفوا ويعذر بعضكم بعضا وتتقوا النشوز والاعراض ، وما يترتب عليهما من منع الحقوق أو الشقاق ، فان اللّه كان بما تعملونه من ذلك خبيرا لا يخفى عليه شيء من دقائقه وخفاياه ولا من قصدكم فيه ، فيجزي الذين أحسنوا منكم بالحسنى . والذين اتقوا بالعاقبة الفضلى ، قال بعض المفسرين : المراد بهذه الجملة حث الرجال على الحرص على نسائهم وعدم النشوز والاعراض عنهن ، وان كرهوهن لكبرهن أو دمامتهن ، كما قال في آية أخرى فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً * * * وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ هذه الآية فتوى أخرى غير الفتاوى المبينة في الآيتين قبلها والمستفتون عنها هم الذين كان عندهم زوجتان أو أكثر من قبل نزول فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ومثلهم من عدّد بعد ذلك ناويا العدل حريصا عليه ثم ظهر له وعورة مسلكه ، واشتباه أعلامه ، والتحديد بين ما يملكه وما لا يملكه اختياره منه ، فالورع من هؤلاء يحاول ان يعدل بين امرأتيه حتى في اقبال النفس ، والبشاشة والانس ، وسائر الأعمال والأقوال ، فيرى أنه يتعذر عليه ذلك لان الباعث على الكثير منه الوجدان النفسي ، والميل القلبي ، وهو مما لا يملكه المرء ولا يحيط به اختياره ، ولا يملك آثاره الطبيعية ، ولوازمه الفطرية ، فخفف اللّه برحمته على هؤلاء المتقين المتورعين ، وبين لهم أن العدل الكامل بين النساء غير مستطاع ولا يتعلق به التكليف ، كأنه يقول : مهما حرصتم على أن تجعلوا المرأتين كالغرارتين المتساويتين في الوزن ، - وهو حقيقة معنى العدل - فلن تستطيعوا ذلك بحرصكم عليه ، ولو قدرتم عليه لما قدرتم على ارضائهما به ، وإذا كان الامر كذلك في الواقع فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ إلى المحبوبة منهن بالطبع ، المالكة لما لا تملكه الأخرى من القلب ، فتعرضوا بذلك عن الأخرى ( فذروها كالمعلقة ) كأنها غير متزوجة وغير مطلقة ، فان الذي يغفر لكم من الميل وما يترتب عليه من العمل بالطبع ، هو ما لا يدخل في الاختيار ، ولا يكون